كادار علي
قرارات شن الحروب ليست قرارات اعتباطية أو انفعالية. ليست ضربةً تُوجَّه ثم يُنتظر ما سيحدث بعدها. الحرب، في الدول الحديثة، قرار سياسي وعسكري واقتصادي شديد التعقيد، يسبقه عادةً قدر هائل من الدراسات والتقديرات: موازين القوى، كلفة المواجهة، قدرة الخصم على الصمود، أثر الحرب على الاقتصاد، ردود الفعل الدولية، وما الذي يمكن تحقيقه فعلياً منها.
ومع التطور الكبير في وسائل التسلح خلال العقود الأخيرة، بات قرار الحرب أكثر كلفة من أي وقت مضى. فالحرب لم تعد تقتصر على الميدان العسكري فقط؛ بل تمتد آثارها إلى الأسواق والطاقة وسلاسل التوريد والتجارة والاستقرار الاجتماعي وحتى صورة الدول وهيبتها في النظام الدولي. لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد أي حرب ليس: من دمّر أكثر؟ بل: من حقق أهدافه السياسية؟
من هنا يمكن النظر إلى الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران من زاوية مختلفة عن الرواية الإعلامية المتداولة.
إذا كان الهدف من الحرب إسقاط النظام الإيراني، فهل تحقق ذلك؟ من الواضح أن الجواب لا. النظام لم يسقط، ومؤسسات الدولة بقيت قائمة، والبنية السياسية للنظام لم تنهَر.
وإذا كان الهدف تغيير النهج السياسي العام لإيران، أو إجبارها على التراجع عن موقعها الإقليمي ودورها السياسي والعسكري، فمن الصعب أيضاً القول إن ذلك تحقق بصورة حاسمة. فإيران، رغم الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي المتواصل منذ سنوات طويلة، لا تزال تحتفظ بموقعها الإقليمي، وتتعامل معها القوى الكبرى بوصفها لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه.
أما اقتصادياً، فالصورة أكثر تعقيداً. صحيح أن إيران تأثرت، كما تتأثر أي دولة تتعرض لحرب أو لعقوبات طويلة الأمد. لكن إيران تعيش أصلاً تحت حصار اقتصادي وعقوبات منذ عقود. أي أن اقتصادها تكيف، بدرجات متفاوتة، مع ظروف الضغط والعزل.
في المقابل، لا يمكن تجاهل التأثير الذي امتد إلى خارج إيران: اضطراب الأسواق، ارتفاع أسعار النفط والطاقة، القلق في حركة الملاحة والتجارة الإقليمية، وتوتر الأسواق المالية في المنطقة. في مثل هذه الحروب، لا تبقى الخسائر محصورة داخل حدود الدولة المستهدفة.
وهنا يصبح معيار الربح والخسارة أكثر وضوحاً: النصر في الحرب لا يُقاس بعدد الأبنية المدمرة، ولا بعدد الغارات الجوية، ولا حتى بحجم القوة المستخدمة. بل بمدى تحقيق الأهداف التي بدأت الحرب من أجلها.
لكن ذلك لا يلغي حجم الكلفة الثقيلة التي خلّفتها الحرب داخل إيران نفسها. فالدمار، مهما كانت النتائج السياسية أو العسكرية، يترك أثراً عميقاً يصعب تجاوزه سريعاً. الاقتصاد، البنية التحتية، الخدمات، وحياة الناس اليومية جميعها تتلقى آثار الحرب بصورة مباشرة، وغالباً ما يكون المواطن هو من يتحمل العبء الأكبر والأطول زمناً.
وفي الحالة الإيرانية تحديداً تبدو هذه الكلفة أكثر تعقيداً. فإيران لم تدخل هذه المواجهة من موقع اقتصادي مريح، بل وهي مثقلة أصلاً بسنوات طويلة من العقوبات والضغوط المالية والتضخم وتراجع القدرة الشرائية وتراكم الأزمات الداخلية. ومع هذا الواقع، فإن إعادة إعمار ما خلّفته الحرب لن تكون مهمة بسيطة، بل عبئاً اقتصادياً إضافياً كبيرا على الدولة وعلى المجتمع معاً.
ولهذا فإن الصمود، مهما كانت أهميته السياسية والعسكرية، لا يلغي حقيقة أن الحروب لا تخلّف في النهاية إلا الخسائر والخراب. وهذه هي ضريبة الصمود التي لا بد أن يستوعبها الشعب، لكن مسؤولية تحًويل هذه التضحيات إلى فرصة لإعادة البناء تقع على عاتق الدولة أيضاً. فالمعركة لا تنتهي بتوقف القصف، بل تبدأ بعدها معركة أخرى لا تقل صعوبة: إعادة الإعمار، ترميم الاقتصاد، واحتواء الأثر الاجتماعي والنفسي للحرب، كي لا يتحول الركام الذي خلّفته إلى أرضية لأزمة جديدة أو لصراع آخر قد تأتي نتائجه بعكس المراد.
التاريخ مليء بأمثلة مشابهة. الولايات المتحدة في حرب فيتنام امتلكت تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكن ذلك لم يتحول إلى نصر سياسي. وفي العراق، سقط النظام بسرعة، لكن الحرب تحولت لاحقاً إلى أزمة استراتيجية طويلة ومكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. القوة العسكرية وحدها لم تكن كافية لحسم النتائج كما خُطط لها.
وهنا يظهر دور الإعلام.
في زمن الحروب الحديثة، لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ هناك معركة موازية لا تقل أهمية: معركة الرواية. من انتصر؟ من تراجع؟ من صمد؟ ومن يملك حق تعريف ما جرى أمام الرأي العام؟
لهذا نشهد غالباً سيلاً من التصريحات السياسية والإعلامية المتناقضة، والانتصارات المعلنة قبل أن تنتهي الوقائع نفسها. ويصبح الإعلام أحياناً أداة لإنتاج “نصر افتراضي”، يُسوَّق داخلياً وخارجياً حتى عندما تكون النتائج الميدانية والسياسية أقل وضوحاً أو بعيدة عن الأهداف المعلنة.
ولعل كثرة التصريحات الأمريكية المتناقضة حول نتائج الحرب وأهدافها تكشف شيئاً من هذا الارتباك. فحين تتبدل التفسيرات باستمرار، ويختلف الخطاب من يوم إلى آخر، يكون ذلك غالباً مؤشراً على فجوة بين ما كان مأمولاً وما تحقق فعلياً.
شاء من شاء وأبى من أبى، أثبتت إيران خلال هذه المواجهة أنها رقم صعب في المنطقة، وأنها تمتلك من عناصر الصمود السياسي والعسكري ما يجعل تجاوزها أو تجاهلها أمراً غير ممكن. وهذا بحد ذاته مكسب سياسي واستراتيجي مهم.
لكن في الوقت نفسه، فإن الحفاظ على هذا المكسب يحتاج مراجعة. فالقوة لا تكفي وحدها. والانتصار السياسي لا يصبح دائماً إلا إذا ترافق مع مراجعة نقدية للسياسات، ومعالجة مواطن الخلل الداخلية، وتطوير أدوات الاقتصاد والإدارة والعلاقات الإقليمية.
ربما خرجت إيران من الحرب واقفةً أكثر مما أراد خصومها. لكن تحويل الصمود إلى إنجاز طويل الأمد يحتاج ما هو أكثر من تحمل الضربات… يحتاج قراءة جديدة للمرحلة، وإعادة نظر في بعض السياسات، كي يتحول الصمود العسكري إلى مكسب سياسي وتاريخي مستدام.)
