مقطع من نص إبداعي طويل مُهداة إلى الشهيد شكري بلعيد بعنوان ( أنت شعبٌ من الأصوات في صوت وحيد )

للشاعر التونسي رحيم جماعي

غائبي الّذي لا يغيب

قبل قُرون من اغتيالك غدرًا مُبينا، كان القتل تجارة مزدهرة، يقتات من عائداتها الصّعاليك والمجرمون، وصيّادوّ الجوائز، والمُصابون في قلوبهم بطعنات الخيانة، والمطعونون في شَرفهم، وعَبَدَةُ الكراسي، والّذين أفلتتْ منهم أَعِنَّةُ الصّبر على الضَّيم…

وهكذا صُلب الحلّاج، وقُتل امرىء القيس، والمتنبّي، وغيرهم…

وقبل اغتيالك غدرًا مُبينا، أُغتيل فرحات حشّاد، والبشير بن سديرة، وناجي العلي، وجون كيندي، والفاضل ساسي، كما قُتل غيفارا، والدّغباجي، ومعين بسيسو، وغيرهم…

لكنّ القَتَلة ماتوا مُكَلَّلين بالخزي والفضيحة والعار المؤبّد، وظَلّ القتلى والمُغتالون على قيد الحياة تماما، مَحْفوفين بالرّجولة والبطولة والضّوء الشّديد…

أَمّا أنتَ، فَقَدِ اغتالوك أيضا، إغتالوك رميًا بالرّصاص، وكان يمكنهم مثلًا، أن يدفعوك أَمام سيّارة مسرعة بجنون، أو يُغمدون في صدرك خنجرا صَدِئًا، أو في أسوإ حالاتهم، يقومون برشوة نادل مقهى فقير، لِيَدُسَّ في فنجانك سُمًّا، أو ببساطة يصطادوك على حين غفلة، لخنقوك ليلًا في زُقاق مُظلم، وأنتَ في طريق العودة إلى بيتك وزوجتك وابنتيْك…

لكنّهم كانوا يعلمون أنّك جَمْعٌ في واحدٍ…

كانوا يعلمون أنّك الواحد الأبابيل…

فقد كان في صدرك حَشْدٌ من الزّعماء، (حشّاد، وبورقيبة، وعلي البلهوان، ومحمّد علي الحامّي، وغيرهم)…

لهذا زرعوا في صدرك رصاصا يكفي لإبادة قبيلة كاملة…

(في الحقيقة كانت رصاصة واحدة، لكنّني من فَرط حرارتها في قلبي، أراها جبلًا من رصاص، لهذا أعلم أنّك ستغفر لي سخائيَ الّلغويّ المُفرط في المجاز، وتسمح لي بأن أسمّي الرّصاصة رصاصات، وبهذا فقط، أستطيع أن أُكمل الكتابة إليك)…

كلّ رصاصة مغموسة في سموم من الحقد الأعمى…

كان السّمّ بألوان عديدة، وكلّ الألوان سوداء سوداء، سوداء تماما مثل قلوبهم، هذا إن كانت لهم قلوب…

كان الرّصاص جزيلا، بحيث لم يُصِبْكَ وحدك، إنّما أَصاب أحبابك ومُريديك، وهكذا أَصاب كلّ أطراف البلاد…

بلاد بِأسرها أُصيبت في مقتل…

إغتالوك نعم، ولكنّك لم تَمُتْ…

(ما أَمَرَّ عندهم هذه “الّكن” يا قائدي وشهيدي)…

بفضل مسيرتك الضّوئيّة الباهرة، لم تزل حيًّا، مَبْثوثا في قلوب أحبابك الأبابيل، مِثل نشيد أُمَمِيّ…

لم تزل حيًّا، ساطعا كالفضيحة المشتهاة، وبَيِّنًا ومُبينا، كالوشم على جِباه العبيد…

لم تزل حيًّا، كأنّ رصاصات الغدر ارتطمتْ بِجبل…

ومازال صوتك يعلو من أصوات مُريديك، ومِن كلّ صوت يذوب في حُبّ ه‍ذه البلاد الصّغيرة…

فأنت لم تكن صوتا واحدا لسياسيّ مُفترس، يعوي كذئب جائع في فَلاة بعيدة…

لم تكن كاتبا بائسا يحرث البحر، ويُصغي إلى أصوات غامضة، قادمة من كواكب أخرى، غير كوكب الأرض…

لم تكن رسّاما ساهما، مُقيما في عزلته، مدفونا في خيالاته، يرسم غزلانا وعصافيرَ وفراشات، ونساء شَبِقات، وينسى مُشرَّدًا تحت جدار الكنيسة، وفي الحدائق ومحطّات القطارات…

لم تكن ممثّلا فاشلا، مزدحمًا بشخصياته المُشوَّهة، يحنو كالأمّهات عليها، ويجمّل وُجُوهها القبيحة، مثل عوانس البدو…

لم تكن صحفيّا مرتزقا، يطلق الورد على من يُحبّ، والرّصاص على كلّ شيء…

لم تكن شاعرا مدّاحا رخيصا، يُصلّي لصورة الرّئيس في التّلفزة، فإذا أَشْرَق غيرُه، يُغيّر القناة…

لم تكن شُرطيّا أَسود القلب جدّا، يدخّن مواطنا أعزلَ، ويُغنّي للنّظام والحرّية والعدالة، (حَدَثَ لي هذا كثيرا)…

لم تكن كلّ هذا العدد، كنتَ أصواتا عديدة في صوت وحيد…

صوت الطّالب الغاضب في المعهد والجامعة…

صوت الأمّ المُنتظرة على نار قلبها عودة إبنٍ، يُكابد البُعد في صقيع منفى بعيد…

صوت الفلّاحة المُجهدة، تحت وطأة الحاجة وجبال الهموم…

صوت عامل المنجم، الغارقة أيّامه السُّود في عَرَقِه المسلوب، من أبناء الّذين، وأبناء الّلواتي…

صوت الثّائر المُدوّي في كهوف الجبال الموحشة، وفي شوارع المُدن السّاخنة، المرشوشة بالقنّاصة الّذين يَحْمون البلاد، من حُبّنا المَحْموم لها…

صوت الشّاعر الحُرّ الصّافي، المكتوم صوته وقلمه…

صوت سجين الحرّية الغالية…

كنتَ كلّ هذه الأصوات المجروحة، ومِن أجلها فقط، وبِسَبَبِها فقط، أَدرك رصاص الغدر، مِن أين يَقْطِفَكَ.

اترك تعليقاً

Scroll to Top