حقوق الإنسان ..

من حقل التاريخ إلى حقلي التشريع والممارسة!

لكاتب والروائي محمد باقي محمد من سورية

* في المبحث التاريخيّ:

حقوق الإنسان موضوعة إشكالية وشائكة، بل وتنطوي على كمّ غير قليل من المفارقة أيضاً، كيف؟! تعالوا نقارن المسألة بحياة الإنسان في إفرادها، وفي حساب الجنى سنقف بتطابق غريب بين الحالتين، إذ يبدأ المرء حياته بطفولة بريئة، لكنّه إذ يشبّ ويكبر يتلوث ضميره بآثام شتى! لينبثق سؤال ملحّ؛ أن ما هو وجه الشبه بين ما تقدّم وموضوعة حقوق الإنسان؟

وفي الإجابة سنقف بطفولة طويلة للبشرية، طفولة اقتصر دور الإنسان فيها على التلاؤم مع قوانين الطبيعة، فيما كانت هيمنته على تلك القوانين في الدرجة صفر! هذا سيشمل التشكيلة المشاعيّة، التي تأسّست – بل واقتصرت – على جمع الثمار والتقاطها، إذ لم يكن له أيّ دور في عمليّة الإنتاج، على هذا عاش شكلاً من الفاقة، ليتحصّل بالكاد على قوت يومه، حتى إذا تكاثرت أعداده رفد مصدر رزقه بالصيد! وفي الصيد أيضاً لن يسهم الإنسان في عمليّة الإنتاج، إذ لم يكُ دور له في تكاثر الحيوانات مثلاً، بل اقتصر على اصطيادها ليتقوّت على لحمها! لكنّهما – أيّ الجمع والالتقاط والصيد – في المدى غير المنظور سيتيحان له اكتشاف أنماط جديدة من الإنتاج، ذلك أن مراقبته الطويلة للحيوان ستكشف له بأن بعضها غير مفترس، بل وقابل للتدجين أيضاً، على هذا أضاف إلى مصادر دخله الرعي البدائيّ، أمّا لماذا وسمنا المشاعية بالبدائيّة، فلأنّها لم تحدث تغييراً جوهرياً في نمط حياته، إذ ظل ينام في الكهوف وفوق أعالي الأشجار هرياً من الضواري، ويتنقل خلف هذا المصدر أو ذاك! أما الجمع والالتقاط فقاده إلى اكتشاف الراعة، بالمصادفة – ربما – فالفضول المعرفيّ والتجريب، ليعدّ دارسو الأنثروبولوجيا اكتشاف الزراعة الثورة الأولى التي أنجزها على سطح البسيطة، إذ أنّها غيّرت نمط حياته كلياً، فمع الزراعة ظهرت الملكية الخاصة، ومعها انتقل إلى السكنى في كوخ ثابت، فظهرت التجمعات السكنية الأولى على سطح الأرض، كان الإنسان قد اكتشف النار، فأضاءت عتمة ليله، ونقلته إلى الطعام المطبوخ، وغيرت أدواته الحجرية الحديثة ” النيوليتية ” بأدوات معدنيّة، ومع الزراعة تحصّل الإنسان على فائض كبير عن حاجته، فقام بالتجارة بهذا الفائض، لتنقسم التجمعات التي عرفها إلى قرى اختصت بالزراعة، ومدن اختصت بالاتجار، على هذا عرف تقسيماً واضحاً للعمل، إذ ظهرت حرفة النجارة والحدادة – مثلاً – إلى جانب الزراعة والتجارة وتربية الحيوان، تقسيماً كان قد شهد بدايات جنينيّة له مع الصيد، الذي اختصّ به الرجل أكثر، وفي تلك المرحلة – أيضاً – انتقل الإنسان في التعبير عن نفسه من الرسوم – التي كان قد تركها على جدران الكهوف – إلى الكتابة، ليلج ما سيسمّى بالعصور التاريخيّة!

هكذا – أيضاً – عرف الإنسان التشكيلة السياسيّة الأولى ممثّلة بمملكة المدينة، التي سرعان ما تحوّلت إلى امبراطوريّات، حين راحت مملكة مدينة تبتلع ممالك المدن الأخرى!

ولكن لماذا عدّ علماء الأنثروبولوجيا المراحل البدائيّة في حياة الإنسان طفولة طويلة وبريئة له؟!

في الجواب سنجد بأنّ الإنسان البدائيّ انتظم في مجموعات تحكمها الحاجة، فلا ملكيّة خاصة – مثلاً – ولا أسرة ثنائيّة، لقد كانت المرأة منتجة كالرجل، إذ كانت جامعة ثمار من طراز رفيع، ولذلك كانت مساوية له في القيمة، وحين راح يبحث في وجوده وكينونته وقفت إلى جانبه كإلهة في الميثولوجيا، لكنه حين انتقل من استهلاك حاجاته إلى إنتاجها ابتداء بالزراعة، عرف شكل الأسرة الثنائي، ثم أخذ يُحكم هيمنته على المرأة، حتى إذا تحققت له تلك الهيمنة عمل على تبريرها من جهة وإدامتها، فاشتغل على إنتاج منظومة ذهنية ذكوريّة شملت الميثولوجيّ، لتغيب الآلهة المؤنثة لصالح الآلهة المذكّرة، كما شملت الفلسفة والثقافة والفنون والعادات والتقاليد، بل والسياسة كأحد أقانيم الثقافة، وقد يتساءل البعض : ولكن المرأة كانت منتجة في الاقتصاد الزراعيّ، فلماذا تراجعت قيمتها على هذا النحو؟! إلاّ أنّ دارة الإنتاج في الاقتصاد الريفيّ دارة مغلقة، ما مكن الرجل من الهيمنة عليها!

نحن في هذه المرحلة – ومع نشوء الامبراطوريات – نتكلم عن التشكيلة العبوديّة – الامبراطورية الرومانية مثالاً – ولأن العبودية علاقة غير مؤنسنة، شهدت نضالاً لاهوادة فيه ضدّها – ثورة العبيد في الدولة الرومانية التي قادها سبارتاكوس، والتي قد تكون محاولة مبكّرة من الإنسان لتلمّس حقوقه على نحو غير مباشر – هذا سيشمل غير ثورة – ثورة الزنج في جنوبي العراق في الدولة العباسيّة – على الطريق ليستبدل بالنظام الإقطاعيّن لكن الإقطاع – في جوهره – لن يختلف عن العبودية كثيراً، إذ استبدل السيد بالإقطاعيّ، والعبد بالفلاح الحرّ، لكن المُجبر على بيع قوة عمله ليتحصّل على ما يحفظ له أوده!

في هذه المرحلة كانت صورة العالم تكتمل عبر الكشوف الجغرافيّة، وكانت الحرف تتطوّر بصورة حثيثة، إلى أن اكتشفالإنسان قوة البخار، لتسجّل الحرفة تطوّراً لافتاً، في انتقالها من العمل اليدويّ إلى الآلة، ويسجّل الإنسان ثورته الثانية، التي ستعرف بالانقلاب الصناعيّ، وبذلك انتقل إلى التشكيلة الرأسماليّة، التي قد لا تشكّل قطعاً حقوقياً مع الإقطاع، إذ تحوّل الإقطاعيّ إلى رأسماليّ، يتحكّم بأدوات الإنتاج – الآلة – وتحوّل قسم كبير من الفلاحين إلى عمّال، كان مصوّر العالم يتغيّر، إذ أنجزت الصناعة الدولة القومية، القائمة على السوق الوطنيّة المُجمركة لحماية إنتاجها، لتتحوّل قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية – بل وأمريكا الشمالية لبعض الوقت – إلى مستعمرات للبحث عن المواد الأوليّة، وأسواق لبيع المواد المُصنّعة!

ففي هذه المرحلة ستنتقل الفلسفة – في معرض تطوّرها – إلى ما سيُسمّى بفلسفة عصر الأنوار، ذلك أنّ الإنسان سيقف بمُفارقة هائلة، إذ في الوقت الذي كان يسجّل فيه صعوداً مادياً وحضارياً مطرداً، سنلاحظ بأنّه كان يسجّل انحداراً روحياً وقيميّاً مذهلاً، ليستعبد أخيه الإنسان في التشكيلة العبوديّة، ويرغمه على بيع قوّة عمله في التشكيلتين الإقطاعيّة والرأسماليّة، ناهيك عن أنماط الحكم الاستبداديّة ( الامبراطوريّ، والملكيّ، والسلطانيّ.. إلخ ) والإيغال في استغلال المرأة في النظام الرأسماليّ، ذلك أنّها ستتحصّل على أجر يقلّ عن أجر الرجل، من غير أن يوفّر استغلال عمالة الأطفال، الذين سيتحصّلون على أدنى الأجور!

وقد تشكل البوذيّة محاولة مبكّرة لتلمّس الجوانب الحقوقيّة، لتسير الديانات السماويّة الثلاث ( اليهوديّة، المسيحيّة، والإسلام ) على الطريق ذاته بشكل متفاوت، لكنّها لن تنجو من فخّ الذكوريّة الفجّ والجائر، إلاّ أنّ فلسفة عصر الأنوار ( القرن الخامس عشر ) ستعيد النظر في المسألة برمّتها، على هذا الطريق سنقف بلوك وهوبز ومونتسكيو وجان جاك روسو، ليقفوا بمفهوم الدولة والشرائع والقوانين، فعلاقة الحاكم بالمحكوم، وصولا إلى صيغة العقد الاجتماعي المفترضة بينهما، ما سيمهّد لقيام الثورة الفرنسيّة، وإذا كانت تلك الثورة قد أكلت أبناءها، إلاّ أنّها فتحت الباب على مصراعيه لأنماط حكم جديدة، تأخذ رأي الجماعة بالحسبان، كما في النظام الجمهوريّ، ثمّ صيغ أكثر تطوّراً كالنظام الفيدراليّ والكونفيدراليّ على سبيل التمثيل! ليتوّج الحراك بما سيُسمّى شرعة حقوق الإنسان كوثيقة شاملة، ولتتفرع عنها قضايا الحقوق الاقتصاديّة أو الحقوق الثقافية وحقوق المرأة وحقوق الطفل!

لقد انقلبت الكنيسة الكاثوليكيّة على موقفها المؤيّد لاستعمار دولها للعالم الثالث، ووقفت إلى جانب حركات التحرّر، وعلى الطريق ذاته ستشكّل الماركسيّة محاولة مفصليّة لتفسير العالم وتغييره لا لتبريره، وستتصدّى لتغوّل رأس المال المتوحّش، وإذا كانت التجربة الاشتراكيّة قد أخفقت، إلاّ أن حلم العدالة الاجتماعيّة سيظلّ يداعب البشر، وذلك في سعيهم إلى عالم مؤنسن في علاقاته!أ

نعم.. لا يمكن لأحد أن يدّعي بأنّ الطريق كان مفروشاً بالورود، فلقد خاض العالم حربين كونيّيتين في هذا الاتجاه! كما أنّ تفكّك الاتحاد السوفياتيّ، وانهيار منظومة الدول الاشتراكية أجبر العالم على الاحتكام إلى قطب أحاديّ!

لقد دخل العالم ثورته الثالثة – ثورة المعلوماتيّة والاتصالات – وماعاد إخفاء الحقائق مهمّة متيسّرة، لكنّ الطريق أمام الإنسان للوصول إلى عالم أكثر أمناً وعدلاً لا يبدو دانياً للقطوف، على هذا قد نختتم كلامنا بمقولة لأدواردوغاليانو، كان قد سطّرها على كتاب نعوم تشومسكي ” 501 الغزو مستمر ” يقول فيها : ” مرة أخرى تثبت موهبة تشومسكي الجبارة أنّه ليس مُقدّراً للبشر أن يعيشوا كسلع “!

وبعد.. لا شكّ أنّ ما تقدّم يشكل إطلالة سريعة ومقتضبة على تطوّر قضايا حقوق الإنسان في عالم يشهد متغيّرات متسارعة، تطرح مسائل جديدة كالذكاء الصناعيّ مثلاً، من غير أن يغيب عن البال محاولات الإنسان الدؤوبة لخلق عالم أفضل، عالم مُؤنسن وأكثر عدلاً، ما قد يقتضي الإشارة، بل والتنويه أيضاً!

اترك تعليقاً

Scroll to Top