جائزة نوبل للسلام : أداة في خدمة الإمبريالية

♦️فرانشيسكو خوسيه .. كاتب وأستاذ جامعي اسباني ♦️تعريب : الأستاذة لينا الحسيني

إنّ منح اللجنة النرويجية لجائزة نوبل جائزةَ السلام لعام 2025 لزعيمة اليمين المتطرّف في ڤنزويلا والمدعومة من الولايات المتحدة، ماريا كورينا ماتشادو، ليس استثناءً. فجائزة نوبل للسلام لم تكن يومًا محايدة؛ لقد عملت دائمًا كسلاح أيديولوجي، وأداة احتفالية تمنح الشرعية للإمبريالية، وتقدّس وكلاءها، وتشوه صورة من يقاومونها. ومن مارشال إلى كيسنجر، ومن ساخاروف وغورباتشوف إلى ليخ فاونسا، أوباما وآل غور، كافأت لجنة نوبل باستمرار ممثلي القوة الإمبريالية وجنودها الفكريين. إن جائزة عام 2025 لماتشادو ليست شذوذًا، بل امتدادٌ طبيعي لهذا التقليد.

منشأ الانحراف: بدايات الاستخدام الإمبريالي للجائزة

بدأ التلوّث باكرًا. ففي عام 1953، منحت اللجنة جائزة السلام للجنرال جورج سي. مارشال، رئيس أركان الجيش الأميركي الذي أصبح وزيرًا للخارجية، تكريمًا لما يُسمّى خطة مارشال. كانت خطة مارشال عملًا من أعمال الحرب الاقتصادية: عملية ضخمة لتحويل رأس المال بهدف ترسيخ تبعية أوروبا الغربية للتمويل الأميركي، وإنعاش الرأسمالية تحت الإشراف الأميركي، وعزل المعسكر الاشتراكي.

كيسنجر: ذروة الفضيحة الأخلاقية

وإن كان منح مارشال الجائزة فعلًا ساخرًا، فإن جائزة 1973 لهنري كيسنجر كانت فعلًا فاضحًا. فقد أشرف كيسنجر، بصفته مستشارًا للأمن القومي ووزيرًا للخارجية، على بعض أكثر الجرائم دموية في القرن العشرين: القصف المكثف لفيتنام وكمبوديا ولاوس؛ الانقلاب المدعوم من الولايات المتحدة في تشيلي الذي أقام دكتاتورية بينوشيه الفاشية؛ المجازر في إندونيسيا وتيمور الشرقية؛ تقويض حركات التحرر في إفريقيا؛ ودعم أنظمة ارتكبت جرائم إبادة، من باكستان إلى الأرجنتين.

أن يُعلَن رجلٌ كهذا “بطلًا للسلام” يكشف الغرض الحقيقي للجنة نوبل. جائزة كيسنجر لم تكن اعترافًا بالدبلوماسية، بل كانت عملية غسلٍ أخلاقي: منحت اللجنةُ الإمبرياليةَ صكَّ غفران، وأعادت كتابة القتل الجماعي بوصفه “تفاوضًا”، وحوّلت مجرم حرب إلى رجل دولة. وما تزال جائزة 1973 واحدةً من أكثر أمثلة الانقلاب الأخلاقي فظاعة في التاريخ السياسي الحديث: جائزة سلام ملوّثة بدماء الانتصار الإمبريالي.

غورباتشوف وفاونسا: الهندسة السياسية لصالح الغرب

وفي عام 1990، مُنح ميخائيل غورباتشوف الجائزة، واحتُفي به بوصفه الرجل الذي جلب “السلام” بإنهائه الحرب الباردة. لكن دوره التاريخي الحقيقي كان تفكيك أول دولة اشتراكية في العالم وفتح أراضيها أمام النهب الرأسمالي.

وفي 1983، مُنحت الجائزة لليخ فاونسا، زعيم حركة التضامن في بولندا، الذي صُوّر في الغرب كبطل عمالي يواجه “الاستبداد الشيوعي”. لكن قيادة الحركة، التي كانت ممولة بقوة من وكالة الاستخبارات المركزية والڤاتيكان وشبكات الاستخبارات الغربية، تحولت إلى كبش فداء ضد الاشتراكية.

أوباما وآل غور: الترميم الأخلاقي للإمبراطورية بواجهة ليبرالية

وعندما حصل باراك أوباما على جائزة السلام عام 2009، اكتملت المهزلة. فالرجل بالكاد كان قد تولّى منصبه، ومع ذلك منحته اللجنة لقب التجسيد الحي للأمل. سرعان ما وسّعت إدارته حرب الطائرات المسيّرة، ودمرت ليبيا تحت ذريعة التدخل الإنساني، وسلّحت وكلاء رجعيين عبر الشرق الأوسط. لقد كان نوبل أوباما غطاءً أخلاقيًا وقائيًا لاستمرارية الحرب الإمبريالية بخطاب ليبرالي ناعم.

وما هو أكثر دلالة كان منح الجائزة لعام 2007 لآل غور “تقديرًا” لنشاطه البيئي، متجاهلةً اللجنةُ أنّه كنائب للرئيس الأميركي، كان شريكًا مباشرًا في قصف الناتو ليوغوسلافيا عام 1999. الرجل الذي شرّع يومًا “الحرب الإنسانية” أُعيد تقديمه كمنقذٍ للكوكب. مثّلت جائزته التحوّل البيئي للأيديولوجيا الإمبريالية: تدمير الأرض على يد الرأسمالية متنكرًا في هيئة حملة لإنقاذها.

الاتحاد الأوروبي: “سلام” البيروقراطيات الإمبريالية

وفي 2012، بلغت اللجنة مستوى جديدًا من العبث بمنحها جائزة السلام للاتحاد الأوروبي، وليس لشخص، بل لكيان إمبريالي مسؤول عن إفقار ملايين البشر عبر سياسات التقشف، وتحصين الحدود العنصرية، وشن حرب اقتصادية على أطراف النظام العالمي. كان “السلام” لدى الاتحاد الأوروبي هو سلام المصارف والبيروقراطيين: انضباط الديون، البطالة، وقبور المهاجرين في المتوسط.

الخلاصة: السلام بوصفه خضوعًا

من خلال هذه الرموز المختارة بعناية، تعرّف لجنة نوبل السلام على أنه خضوع: إعادة إنتاج هيمنة الرأسمالية بانسجامٍ منضبط. تحوّل الجائزةُ عنفَ الإمبريالية إلى فضيلة، وتحوّل المتعاونين معها إلى قديسين.

ماتشادو 2025: استمرار التقليد نفسه

وجائزة 2025 لماريا كورينا ماتشادو تُكمل هذا التقليد تمامًا. فماتشادو، الحليفة المخلصة لواشنطن، شاركت بفعالية في محاولات الإطاحة بالحكومة البوليفارية عبر العقوبات والانقلابات والتدخل الأجنبي. جائزتها لا علاقة لها بالديمقراطية؛ بل هي خطوة لتأكيد الهيمنة الأيديولوجية للإمبريالية على أميركا اللاتينية. رسالة اللجنة واضحة: من يخدم المصالح الإمبريالية يُقدَّس، ومن يقاوم يُشيطن.

الخاتمة

تكافئ جائزة نوبل للسلام أولئك الذين يخدمون الإمبريالية. أما التاريخ فسينصف من يسقطونها.

.

⬅️ من صفحة الأستاذة لينا الحسيني

اترك تعليقاً

Scroll to Top