مازال شبح الشيوعية يقض مضاجع الامبريالية

🔹 لوسيانا عبد النور ..

منذ أكثر من قرن، اعتادت الأنظمة الرأسمالية أن تُقدّم نفسها بوصفها معبد الحريات وفضاءً مفتوحاً للفكر والاختلاف. غير أنّ هذه الصورة اللامعة سرعان ما تتشقق كلما هبَّ نسيم خفيف، يحمل في طياته شيئاً من الشيوعية الماركسية–اللينينية. وكأنّ “شبح الشيوعية” الذي أعلن عنه ماركس ذات يوم لا يزال حيّاً، يتجول في أروقة الديمقراطيات الغربية، فيثير فيها قلقاً لا تخطئه العين.

ازدواجية الحرية: حرية لهم وليست للآخرين

الرأسمالية ترفع شعار حرية التعبير، لكنها ما إن تشعر بأن خطاباً ما يلامس أصل المشكلة—أي النقد الجذري لبنية الملكية والاستغلال—حتى تنقلب الحرية إلى “خطر على الأمن”، ويصبح النقد “ترويجاً للشمولية”.

وهنا تتكشف الازدواجية:

• يُسمح لليمين المتطرف بالتنظير لسياسات إقصائية بحجة “التعددية”.

• لكن يُحظر الحزب الشيوعي البولندي رغم أنه لا يملك لا يملك كتلة انتخابية، فقط لأنه يذكّر بما تحاول الرأسمالية إخفاءه: أن هناك بديلاً آخر مهما حاولوا دفنه.

قرار المحكمة الدستورية البولندية في 2025 بإلغاء الحزب الشيوعي البولندي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه رد فعل رمزيّاً، يهدف إلى تأكيد ما تريده المنظومة:

“التاريخ انتهى، والرأسمالية هي قدر البشرية الوحيد.”

لكنّ القرارات التي تُتخذ بدافع الخوف نادراً ما تخفي حقيقة الخوف نفسه.

لماذا تخاف الرأسمالية من فكرة سقطت أنظمتها؟

النظام الرأسمالي يردد إن الشيوعية “ماتت”، لكن لو كانت فعلاً قد ماتت فلماذا كل هذا الذعر؟

الجواب يكمن في أنّ الماركسية لم تكن نظاماً سياسياً فقط، بل نقداً علمياً للرأسمالية نفسها. أي محاولة حظر لها هي في الحقيقة محاولة لحظر المرآة التي تعكس عيوب النظام.

وإذا كانت الأنظمة الاشتراكية قد انهارت، ولكن النقد الماركسي للرأسمالية لم يتهاوَ، لأنه ليس مرتبطاً بدولة، بل بآليات اقتصادية واجتماعية تتكرر اليوم أمام أعين العالم.ولهذا يخافون:

• لأنّ الأزمات التي وصفها ماركس—الركود، الاحتكار، تركز الثروة، تهميش العمال—تتجلى اليوم مرة أخرى.

• ولأن كل أزمة تُعيد سؤال البديل إلى الساحة، حتى لو حاولوا إسكاته بحكم قضائي.

الرأسمالية في أزمة… والحظر علامة ضعف لا قوة

الأزمة الاقتصادية العالمية التي تتسع منذ 2008 وتعود في موجات متلاحقة—غلاء أسعار، ركود، تفاوت طبقي، انهيارات مالية—تكشف هشاشة البنية التي تدعي التفوق المطلق.

وعندما يضرب الضعف أركان منظومة ما، فإن أول ما تفعله هو:

1. إسكات النقد

2. تجريم الفكر المعارض

3. اصطناع تهديدات أيديولوجية لصرف الأنظار عن المشكلة الحقيقية

لهذا لا يمكن فصل حظر الحزب الشيوعي البولندي سنة 2025 عن المناخ العام للأزمة الاقتصادية في أوروبا والعالم.

فبدلاً من مواجهة سؤال:

“لماذا تفشل الرأسمالية في حماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة؟”

تلجأ الدولة إلى تقديم كبش فداء أيديولوجي:

“الشيوعية تهدد الديمقراطية!”

لكن الحقيقة الواضحة هي:

الديمقراطية التي تخاف من حزب صغير وتضيق بالنقد ليست واثقة بنفسها، بل مترنحة.

مفارقة العصر: قوة الرأسمالية ليست في نجاحها، بل في غياب البديل المنظم

رغم أن الأنظمة الرأسمالية اليوم لا تواجه حركة شيوعية قوية كما في القرن الماضي، ومع ذلك تستمر في إغلاق المنافذ أمام أي خطاب بديل.

هذا يدل على أن:

• الخوف ليس من قوة الشيوعية فحسب، بل من قوة الأسئلة التي تطرحها الشيوعية.

• والرغبة ليست في حماية المجتمع، بل في حماية بنية الملكية الخاصة وتركز رأس المال.

والنقطة الأعمق أن الرأسمالية تخاف من شيء قد يحدث عندما تنفجر أزماتها المقبلة.

في النهاية… الشبح لم يمت

يمكن إسكات الأحزاب، ويمكن حلّ المنظمات، ويمكن محو الرموز.

لكن لا يمكن إلغاء التناقضات التي تولّد الأسئلة ذاتها كلما اشتدت الأزمة.

ولهذا، رغم مرور عقود على سقوط الأنظمة الاشتراكية، فإن فكرة العدالة الاجتماعية، والمساواة الاقتصادية، وملكية الشعب لنتاج عمله لا تزال تُرعب مراكز القوة الرأسمالية.

لقد قال ماركس ذات مرة إن الشبح يطارد أوروبا.

واليوم—بعد قرن ونصف—يبدو أن هذا الشبح لم يفقد قدرته على تخويف من يحتكرون الحرية لأنفسهم ويمنعونها عن الآخرين.

اترك تعليقاً

Scroll to Top