قيس سلوم
تعيش محافظة السويداء في الجنوب السوري أياماً مظلمة نتيجة الهجوم الارهابي الذي شنته القطعان الظلامية المدعومة من سلطة الأمر الواقع في دمشق, والتي راح ضحيتها مئات الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ ورجال (ليس معلوما حتى الآن العدد ولكن التقديرات تشير الى ان العدد تجاوز 1000 شهيد )
أصبحت محافظة السويداء التي غالبية سكانها من الطائفة الدرزية وأيضا من المسيحيين والعشائر السنة (منكوبة) , بعد انهيار القطاع الصحي بالكامل ونقص الغذاء والدواء وتسميم آبار المياه من قبل المهاجمين الارهابيين وقطع الكهرباء والانترنت عنها , دون وصول أي مساعدات أو وجود ممرات انسانية .
إن مشاهد الملاحم الاسطورية التي سطرها أبناء السويداء دفاعا عن الأرض والعرض ستخلدها ذاكرة الأبناء والأحفاد لعدة أجيال وهي تصد قطعان الدواعش والتكفيريين عن حدود محافظتهم وصمودهم في وجه (دولة) وعدم السماح لها بالتقدم والسيطرة إلا على قرى قليلة .
تلك المحافظة التي خرّجت أجيال من الوطنية والتربية والأخلاق، التي خرّجت سلطان باشا الاطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى 1925 الذي رفع شعار ( الدين لله والوطن للجميع ) والذي داست جحافل الجهل والظلام على صورته في هذه الأحداث ,
الذي وحّد سوريا مرتين :
الأولى عندما رفض العرض الفرنسي بعد انهيار الدولة العثمانية بتشكيل دولة للدروز رغم جميع المغريات التي قدمت، والثانية عندما قام بالثورة السورية الكبرى هو وجميع مكونات الشعب السوري ورفض التقسيم
منذ اليوم الأول للأحداث التي تجري في السويداء ودخول قوات سلطة الأمر الواقع (الجيش الوطني _الامن العام) إليها بحجة ضبط السلاح المنفلت وفرض الأمن والأمان بدأت المجازر بحق السكان دون التمييز بين كبير أو صغير والسلب والنهب وحرق الممتلكات العامة والإهانات بحق شيوخ ورجال أعمارهم تجاوزت عمر سوريا الحديثة , وتم قصف المشفى الوطني بالدبابات وتم القتل والتنكيل بالمرضى على أسرتهم داخل المشفى .
أي جيش وطني يتحدثون عنه, جيش ذو لون واحد وفكر تكفيري وطائفة واحدة جاء وبيده السيف لبسط الأمن والأمان وضبط السلاح في يد الدولة بحجة أن السويداء مازالت تملك السلاح خارج يد الدولة .
بعد الانسحاب لقوات السلطة وهجوم العشائر المدعومة من قبل السلطة الارهابية ودعمهم بمرتزقة أجانب جاؤوا لتعميق النزاع وقطع الرؤوس و التي سهلت لهم الوصول من أقصى الشمال والشرق والغرب وفتحت أمامهم الطريق للوصول الى السويداء , بينما لم تستطع فتح الطريق أمام قوافل المساعدات الغذائية والطبية .
وقد تبين أن السلاح الموجود في السويداء لا يقارن لا بالعدد ولا النوعية بالذي تمتلكه تلك العشائر من الصواريخ والسلاح الثقيل وغيره، فهل أصبح السلاح الموجود في السويداء سبب بلاء سوريا؟
ثم جاءت حملة التجييش والتخوين على السويداء بعد القصف الاسرائيلي على دمشق ورُفِع أصوات تتهم السويداء بالخيانة ,وهم نفسهم من رفعوا لافتات شكرا اسرائيل شكرا نتنياهو عندما كانت اسرائيل تقصف سوريا على زمن النظام البائد، علما أن هذه الضربات لم تكن خيارا للناس في السويداء بل أتت في إطار الصراع الكبير على سورية و المنطقة والاندفاعة الاسرائيلية المنفلتة من عقالها في إعادة صياغة المنطقة وفق مصالحها ومصالح القوى الامبريالية العالمية التي تساندها، بعد أن دفعوا الجولاني في باكو للهجوم على السويداء ليتم اصطياده وابتزازه فيما بعد .
ومن الملفت أن سلطة الأمر الواقع أرسلت ميلشياتها للقتال في محافظة السويداء التي تبعد عن دمشق اكثر من مئة كيلومتر,وتجاهلت أن إسرا-يل تبعد عن دمشق كيلومترات قليلة ,فهل أصبح أبناء الارض أعداء ,والمحتل صديقا.
من الجهل والغباء السياسي والتخلف العقلي الاعتقاد ان اسرائيل التي لم تتوقف عن قصف الأراضي السورية والتقدم داخل أراضيها منذ سقوط النظام السابق قد قصفت دمشق واعتدت على أراضيها كرامة للسويداء ( الدروز) رغم أن الدروز الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي قد يهددون في الانسحاب من الجيش ويفتعلون بعض المشاكل ولكن ذلك لن يؤثر على قرار القيادة السياسية , أو يدفعوها لخوض حرب ليست حربهم ,
لذلك لجأ الاحتلال الاسرائيلي لقصف دمشق لكي يظهر بصورة حامي الأقليات ومساند للدروز وإحداث شرخ أكبر بين السوريين وهذا ما حصل , فحملة التخوين والعمالة التي تشن على محافظة السويداء زادت الشرخ وقلصت الخطاب الوطني, وظهر من جديد الحديث عن ممر داوود الذي يهدف الى تفتيت سوريا بما يخدم مصالحها ويضعف السلطة المركزية في دمشق ,والذي يربط اسرائيل بالشمال السوري من مرتفعات الجولان المحتل مرورا بالقنيطرة ودرعا والسويداء ,اما اذا استمر الشرع في تقديم التنازلات المناسبة لهم، فهم مستعدون للتخلي عن كل سردية حماية الاقليات وحماية الدروز , رغم أن الضربات الاسرائيلية قد أرعبت السلطة الظلامية وساعدت في تخفيف الضغط عن جبهات القتال وأربكت قطعان الجولاني في السويداء إلا أن ذلك يجيب أن لا يغيب عن ذهننا، أن الاسرائيليين أوصلوا إشارة الى الجولاني في باكو بالتحرك في السويداء مما دفع بالقطعان الارهابية التغول وارتكاب المجازر وسفك الدماء في البداية , وبعد ذلك انقلبوا عليه وجعلوا من كل ذلك ذريعة للتدخل .
الا ان الذي يجب الا ينسى ان من دفع الثمن هم أبناء السويداء الذين قدموا أرواحهم “وهم بالمئات ” في سبيل صون الأرض والعرض من جحافل الغدر والإرهاب .
