لخنوع للإمبريالية لا يجلب الحرية ولا الحياة الكريمة الذي يأتي بهما انتصار النضال الوطني التحرري

بقلم بشير الحكيم

يتصف تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من قصر مدته بالمقارنة مع تاريخ الأمم الأخرى بأنه ملطخ بجرائم مستدامة، من الصعب تعدادها جميعاً في مقال واحد. إذ نشأت هذه الدولة على جماجم السكان الأصليين وعلى أرواح وعذاب العبيد المجلوبين إليها، كما إنّ الطمع بثروات الشعوب الأخرى كان ومازال من صفاتها الأساسية. فنتيجة عدوانها على جارتها الجنوبيّة المكسيك اقتطعت الولايات المتحدة أكثر من ٤٠ بالمئة من مساحة هذه الأخيرة، بما فيها أراضي تشكل مصادر مهمة للثروة الأمريكية مثل كاليفورنيا وتكساس وغيرهما، واختارت الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها دور دركي أمريكا اللاتينية تحت شعار “أمريكا للأميركيين” (مبدأ مونرو)، و المقصود به أن ثروات بلدان هذه القارة هي من امتياز الولايات المتحدة الأمريكية، وطبقت من أجل تحقيق ذلك سياسة التدخل العسكري المباشر، التي عرفت تحت مسمّى “دبلوماسية الطرادات البحرية “gunboat diplomacy.

وبعد دخول الولايات المتحدة إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، أي الإمبريالية، توسعت أطماعها لتشمل العالم كله. وليس صدفة أن أول حرب في عصر الإمبريالية كانت الحرب الأميركية الإسبانية التي حصلت بنتيجتها الولايات المتحدة الأمريكية على الفليبين (في آسيا) وعلى بورتوريكو في البحر الكاريبي، كما سيطرت بشكل كامل، عملياً، على كوبا، مع بقاء هذه الأخيرة مستقلة شكلياً. وفي تلك الحقبة أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك تيودور روزفلت أنه يجب التعامل مع الآخرين بواسطة العصا الغليظة. و هذه العصا الغليظة بقيت رمزاً للسياسة الأمريكية منذ ذلك الحين إلى وقتنا الراهن. فقد ترك قاطع الطرdق الأمريكي آثار جرائمه في أغلبية أنحاء العالم، إن كان من خلال العدوان العسكري المباشر: كوريا، فيتنام، كمبوديا، لاوس، بنما، أفغانستان، يوغوسلافيا، لبنان، العراق، ليبيا، سوريا…. أو من خلال المؤامرات وتدبير الانقلابات الدموية ودعم الطغم الفاشية والإجرامية، وعلى سبيل المثال لا الحصر: في إيران ضد حكومة مصدق، في غواتيمالا ضد حكومة اربنس، مذبحة إندونيسيا بضحاياها التي فاقت مليون إنسان عام ١٩٦٥، الانقلاب في البرازيل عام ١٩٦٤، الانقلاب ضد حكومة الوحدة الشعبية في تشيلي، انقلاب العقداء السود في اليونان، دعم النظامين الفاشيين في إسبانيا والبرتغال والقائمة تطول. أما فيما يخصّ إفريقيا جنوب الصحراء فالجرائم الأميركية مستمرة دون انقطاع بدءاً من أحداث الكونغو واغتيال رئيسها باتريس لومومبا في بداية الستينات من القرن الماضي، إلى دعم جميع الأنظمة الاستبدادية في هذه المنطقة ، بما فيها نظام جعفر النميري في السودان، وكذلك دعم نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، إلى مذابح رواندا ….. والمأساة الأفريقية مستمرة.

على مدى الجزء الأكبر من القرن العشرين كانت العدوانية الأميركية تلقى رادعاً قوياً متمثلاً بالاتحاد السوفييتي، الدولة الاشتراكية الأولى. نتيجة ذلك منيت الإمبريالية الأميركية بنكسات وهزائم عديدة، ومن أهمها: إعلان جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩ بعد إسقاط النظام الموالي لأمريكا فيها على يد الجيش الأحمر الصيني، صمود كوريا الديمقراطية الشعبية في وجه المعتدين بقيادة الإمبريالية الاميركية في بداية الخمسينات من القرن العشرين، الانتصار المبهر للشعب الفيتنامي بقيادة الشيوعيين على المعتدين الأميركيين وعملائهم والذي توج برفع العلم الأحمر في سماء سايغون التي تحمل حالياً بكل فخر اسم هو شي مين. هذا بالإضافة إلى انهيار المنظومة الكولونيالية العالمية، والتي كانت من آخر مراحلها انتصار حركات التحرر الوطني في أنغولا و موزمبيق وغينيا بيساو وسقوط نظام التمييز العنصري في أفريقيا الجنوبية. كما شهدت العديد من بلدان أمريكا اللاتينية حركات جماهيرية واسعة وفي بعض الأحيان نضالاً مسلحاً ضد الأنظمة الموالية للإمبريالية الأمريكية، وذلك تحت تأثير الثورة الكوبية.

أثناء المواجهة مع قوى التحرر و الاشتراكية و خاصة مع حصنها الرئيسي الاتحاد السوفييتي، كانت تستعمل الإمبريالية الأمريكية لتسويغ نهجها العدواني و مؤامراتها المستمرة شعار “الدفاع عن العالم الحر “. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي والنكسة التي حلت بالحركة التحررية العالمية، استبدل هذا الشعار بشعار منافق آخر: “الدفاع عن القيم الديمقراطية و نشرها”. وكل الجرائم التي ارتكبتها الإمبريالية الأمريكية خلال الفترة التي تلت سقوط الاتحاد السوفييتي كانت تجري تحت هذا الشعار الرئيسي مع شيء من التنوع في التفاصيل حسب مزاج هذه الإدارة الأمريكية أو تلك. فالإدارات الديمقراطية أكثر نفاقاً، أما الإدارات الجمهورية فأكثر صراحةً.

ولكن لم يأت رئيس أميركي، منذ منتصف القرن العشرين، يعلن بكل صراحة ووقاحة أن هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو نهب العالم، كما يفعل دونالد ترامب الآن. إذ تتجسد رؤى ترامب بإظهار نفسه والدولة التي يقودها كقاطع طرق عالمي بدون أي حياء. هناك تسمية أميركية خاصة للمجرم المسلح وهي الغانغستر. ومسار ترامب هو مسار الغانغستر (gangster). لن نتطرق إلى مشكلاته مع المنظومة العدلية الأمريكية، فأمثاله كثر، وهي على كل الأحوال مشكلة أميركية داخلية. ولكن ترامب قام بجرائم يعاقب عليها القانون الدولي والقوانين الخاصة للدول وهي جرائم القتل، ومن الأمثلة الفاقعة على ذلك اغتيال قاسم سليماني، أثناء ولاية ترامب الأولى، والمغدور مسؤول في دولة ليست في حالة حرب مع الولايات المتحدة الأميركية، كما أنه جرت عملية الاغتيال على أرض دولة تربطها مع أميركا علاقات دبلوماسية، وخلال هذه العملية قتل أيضاً مواطن من هذه الدولة. فحسب أي تقييم حقوقي مجرد ينبغي إدانة دونالد ترامب جنائياً بجريمة القتل عمداً. طبعاً نحن أتينا بهذه الحادثة بسبب وضوحها من وجهة نظر القانون الجنائي. أما ما ارتكبه ويرتكبه ترامب فهو أشنع بكثير، ومن آخر جرائمه دعم الإبادة الجماعية التي ترتكبها اسرائيل الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني. بل وأكثر من ذلك، تحمس ترامب لهذه الإبادة لدرجة أنه طرح مشروع تهجير سكان غزة من أجل إقامة منطقة سياحية في هذا القطاع، مسترشداً بما كان يفعل أسلافه بالهنود الحمر.

من تقاليد الغانغستر في أمريكا، أن كل زعيم عصابة يفرض الخوة والأتاوة على أصحاب المصالح والأعمال في منطقة نفوذه، بذريعة حمايتهم. وهؤلاء يدفعون له المعلوم تجنباً لشرّه من جهة، وأملاً في دعمه لهم في مشاريعهم من جهة أخرى. لذلك يجول زعيم العصابة على أصحاب المصالح في منطقة نفوذه ليحصل على نصيبه من أرباحهم.

وهذا ما شهده العالم في منتصف شهر أيار، عندما قام ترامب بجولته الخليجية التي شملت السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب اجتماعه مع ممثلي العوائل الحاكمة في دول الخليج في مؤتمر جرى في السعودية. وكانت حصيلة الخوة كبيرةً. فالسعودية لوحدها عقدت صفقات شراء سلاح أميركي بقيمة ١٤٢ مليار دولار، إلى جانب إعلان عن توظيفات سعودية في الاقتصاد الأميركي بما يقارب ٦٠٠ مليار دولار. أما دويلة قطر فعقدت صفقة شراء ٢٠٠ طائرة بوينغ بمبلغ يقارب ١٦٠ مليار دولار، وهذه الصفقة أتت بوقتها بالنسبة للشركة المذكورة، التي تكبدت في العام الماضي خسارة بقيمة ١١ مليار دولار. وكذلك أدلى باقي الخليجيين بقسطهم، وفي المحصلة عاد الغانغستر الأميركي منتشياً بما حصّل من الغلة الكبيرة.

هنا المعادلة واضحة: الخوة والخنوع مقابل الضمانة للحكم المتخلف المستبد، وهذه المعادلة ليست جديدة، بل جرت بلورتها منذ عام ١٩٤٥ أثناء لقاء الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع عبد العزيز آل سعود. وها هو ترامب يؤكد عليها من خلال إعلانه لعشقه لحفيد عبد العزيز، محمد بن سلمان، بغض النظر عن إن إحدى هوايات ذلك الشاب الطموح هي فرم معارضيه بكامل معنى الكلمة. كما تجدر الإشارة إلى أنه عندما يجلب ترامب الخوة لأميركا فهو لا ينسى أيضاً مصلحته الشخصية، إذ سبقه إلى السعودية ولدان له، واللذان يقومان الآن بإدارة شركاته، وقد أبرما عقوداً مربحةً مع الجانب السعودي لصالح شركات ترامب. إلى جانب ذلك كان بصحبة ترامب في جولته الخليجية إيلون ماسك الذي يرتبط مع أعماله بشكل وثيق. وبالنتيجة ازدادت مودة ترامب لـ آل سعود بشكل كبير وبالتالي ازداد استعداده لتلبية طلباتهم.

وهذا ما حدث مع الموقف الأميركي تجاه السلطة الحالية في سوريا، فقبل أن يقوم ترامب برحلته الخليجية، سئل عن موقفه من الحكم في سوريا، فأجاب: لا تغيير. ولكن قد حصل التغيير “فاليد تأخذ والعين تستحي” وفي رواية أخرى ” أطعم الفم، تستحي العين”. لذلك أعلن ترامب وبشكل مفاجئ أنه سيعمل باتجاه رفع العقوبات عن سوريا، مشيراً إلى أن الفضل الأساسي لذلك يعود إلى محمد بن سلمان، متطرقاً أيضاً لأردوغان ولكن من الواضح أن ذلك الأخير دوره في ذلك ثانوي بسبب فقر حاله النسبي. وفي اليوم التالي لتصريحه أجرى ترامب مقابلة قصيرة مع أحمد الشرع رئيس السلطة الحالية في سوريا، أوصاه خلالها بأن ينضم إلى اتفاقات “أبراهام” ، أي أن يطبع بشكل علني مع إسرائيل.

و جدير بالذكر أن الفضائيات الخليجية استقبلت تصريح ترامب بالتطبيل والتزمير، مصورة إيّاه بأنه أكبر حدث جرى خلال جولة ترامب الخليجية والذي تحقق بفضل محمد بن سلمان. كما شهدت بعض المدن السورية تجمعاتٍ ابتهاجاً بالفرج القادم على أيدي ترامب ومحمد بن سلمان.

ومن الطبيعي أنه ضمن مجريات الأمور هذه، أن تطرح الأسئلة حول ما هي الدوافع و ما هي العواقب. وهل هي مترابطة فيما بينها؟

قد يكون أسهل الأجوبة ذلك المتعلق بدوافع ترامب وسلوكه، فهذا الرجل الأرعن يعمل، في أحيان كثيرة، بدون تخطيط، معتمداً على ردات الفعل وعلى وقفات مسرحية. فلنتذكر كيف أنه خلال ولايته الأولى وأثناء مأدبة العشاء مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، أمر ترامب بقصف مواقع في سوريا بصواريخ توماهوك من غواصة أميركية راسية في المياه الإيطالية، وبشكل مفاجئ بالنسبة للقيادة العسكرية الأميركية. فكانت الحصيلة الرئيسية لهذه الغارة مقتل عديد من البقرات قرب بلدة الشعيرات في ريف حمص. وهذه الخطوة الاستعراضية لم يكن لها أي مفعول سياسي. فالرئيس الصيني شي لم يرتعب، إلا ربما من فكرة: ما هذا الأرعن الذي نحن مضطرون أن نتعامل معه.

وفي الحالة الراهنة نشاهد الشيء نفسه، ففريق ترامب السياسي، و خاصة الأمني فوجئ بهذا القرار الارتجالي حول سوريا، الذي يخالف التوجه المقر سابقاً. و لكن مئات مليارات من الدولارات تكلمت. فمقابل هذا السخاء السعودي وجد ترامب أن أحمد الشرع “رجل قوي”، علماً أنه اثناء رئاسة ترامب الأولى كانت جائزة القبض الأميركية على أبو محمد الجولاني، أي على أحمد الشرع، تساوي عشرة ملايين دولار.

وبالعودة إلى مئات المليارات التي جناها ترامب من حكام الخليج، وهذا الأمر مهم جداً بالنسبة له، بعدما خسر الإقتصاد الأمريكي مبالغ طائلة تفوق غلة ترامب الخليجية، نتيجة القرارات المتهورة التي اتخذها هذا الرئيس الأرعن في مجال التجارة الخارجية، لذلك كان عليه أن يبيض صفحته في امريكا بواسطة الأموال الخليجية.

أما بالنسبة لحكام السعودية، فمسألة أن يجري تطور في العلاقات بين الإدارة الأمريكية و السلطة السورية، من خلال وساطتهم، أمر مهم لهم من أجل تعزيز نفوذهم في المنطقة و زيادته. إذ تزعزعت صورة هذا النفوذ، بعد إسقاط النظام السابق في سوريا على يد قوى تابعة للتحالف التركي القطري، وربطاً مع ظهور الطموح الواضح لتركيا بأن تكون لها كلمة الفصل في الوضع السوري الجديد، ويجري كل ذلك بإشراف الدوائر المختصة للإمبريالية البريطانية. وهنا ،على الهامش، نشير إلى أن الوقائع الأخيرة تثبت ما قلناه مبكراً بأن الإمبريالية البريطانية لها باع كبير في التآمر على سوريا. وليس من الصدف أن من أول الداعمين بشكل سافر للسلطة الظلامية القائمة في سوريا كان توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق والمعروف بارتباطه الوثيق مع الحكام الفعليين لبريطانيا من الطغمة المالية. لذلك كان على حكام السعودية أن يستنفروا قدراتهم في سعيهم لتعزيز نفوذهم وتوسيعه. وهذا ما حصل من خلال تكثيف اتصالاتهم مع السلطة القائمة في دمشق ورئيسها، وكان يجب أن تجري خطوة استعراضية للتأكيد على المكانة السعودية، وقد تحقق لهم ذلك من خلال تصريحات ترامب ولقائه مع الشرع. فترامب أيضاً يعشق الاستعراض.

وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى أنه منذ استيلاء التشكيلات الظلامية على السلطة في سوريا، وهو إنجاز تركي بالدرجة الأولى، ولو في الظاهر، لم يكن أي من الأطراف الاستعمارية الأخرى مستعداً أن يسلم سوريا كاملةً إلى الوصاية التركية. وقد وقفت اسرائيل ضد ذلك بشكل فج، من خلال التهديد والقصف والتمدد العسكري، أما الأطراف الأخرى فقد استعملت أساليب مختلفة من الضغط والمواجهة، وجاء الدور السعودي المتصاعد مناسباً لخطط هذه الأطراف، التي تسعى إلى الحد من النفوذ التركي وليس إلى إلغائه.

أما فيما يخص السلطه الظلامية الاستبدادية في سوريا فغايتها الأساسية الاستمرار في السلطة. ومن أجل ذلك تسعى إلى نيل رضى كل الأطراف الخارجية ذات النفوذ، فرأس السلطة الذي هو ربيب المخابرات البريطانية، بالدرجة الأولى، والذي أظهر، في بدايات استيلائه على السلطة، ولاءه المطلق لحكام تركيا الإخونجيين، أدرك أن الدعم التركي ليس كافياً من أجل الحفاظ على هذه السلطة. فتركيا ليس لديها فائض من المال والسخاء القطري له حدود. لذلك، ومن أجل الحفاظ على السلطة يجب عليه إقامة علاقات وطيدة مع الدوائر الإستعمارية الأكثر تأثيراً ومع الأنظمة الخليجية الأخرى وخاصة مع السعودية. وطبعاً يجب عليه نيل رضى اسرائيل، بالرغم من الشراسة التي أظهرتها وبسببها في آن واحد. وهذا ما بدأ يحصل و بشكل متواتر. فقد جرى تقديم فروض الطاعة للأميركان مع الوعد بتلبية كل الشروط التي وضعوها، وأكثر من ذلك عرض رأس السلطة الظلامية تجيير استثمار الثروات الباطنية السورية إلى الشركات الأميركية، متناغماً مع نفسية ترامب التجارية. أما الوعد الذي قطعه على نفسه رأس السلطة الظلامية بالانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام ” مبني على مقدمات سبقته، إذ جرت لقاءات بين ممثلي السلطة الظلامية مع مسؤولين أمنيين اسرائليين، أعلن عن بعضها من قبل الصحف الاسرائيلية، هذا إلى جانب تصريحات رأس السلطة الظلامية ومسؤولين اخرين في هذه السلطة المحابية لاسرائيل.

نعم، هذا هو حال السلطة الظلامية الاستبدادية القائمة في سوريا: القمع في الداخل، المترافق مع المجازر والنهب والإفقار، أما فيما يخص الخارج فالخشوع أمام أميركا وأمام حكام الخليج، والخنوع لليهود والعمالة السافرة لتركيا والمستترة لبريطانيا.

أما ذلك الجمهور الذي تجمع مبتهجاً برفع العقوبات الأميركية في شوارع وساحات بعض المدن السورية ظاناً أن الفرج قادم، فقد نتج ذلك عن تضافر عاملين، وهما ضيق الأفق، إذا لم نقل الجهل، وضيق الحال، علماً أن ذلك القسم من الجمهور الذي أعرب عن ابتهاجه في قوافل من السيارات من الصعب تصنيفه بأنه يشكي من الفقر.

لا شك أن العقوبات المفروضة على سوريا جائرة، ويجب رفعها. ولكن هل سيؤدي رفع هذه العقوبات بشكل كامل لوحده، إن حصل، إلى تحسن تلقائي في الوضع الاقتصادي العام في البلاد؟ وبالتالي إلى وقف تدهور الوضع المعيشي للشعب؟ ونقول إن حصل، لأن حصوله مرتبط بشروط عديدة؛ منها متعلق بتطور السياسات والإجراءات في سوريا (مسألة الإرهابيين الأجانب على سبيل المثال)، ومنها تقني متعلق بالتشريعات الأمريكية.

ولكن فلنفرض أن رفع العقوبات الأمريكية قد حصل، فهل هذا يكفي لتحسين الوضع الاقتصادي الاجتماعي؟ من المعلوم أن الازدهار الاقتصادي متعلق بتطور الإنتاج. ووضع القطاعات الإنتاجية في بلدنا يتدهور باستمرار. وهذا الوضع متعلق ليس فقط بالعقوبات الجائرة، والخراب الذي حملته معها الحرب الطويلة، بل حالياً تلعب في ذلك دوراً كبيراً توجهات السلطة الظلامية وسياساتها في المجال الاقتصادي الاجتماعي. وهي عبارة عن استمرارية النهج الاقتصادي المعادي لمصالح الوطن والشعب الذي كان يتبعه النظام السابق والذي كان من أحد عوامل سقوطه. بل أكثر من ذلك؛ إذا كان النهج السابق لم ينفلت لحد النهاية (إذ كان هناك شيء باق من الدعم بالرغم من تقليصه المستمر، كما بقيت مواقع معينة للقطاع العام (قطاع الدولة) بالرغم من قضمها المتزايد)، فحالياً يسود بشكل كامل النهج الاقتصادي الليبرالي المنفلت القاتل للإنتاج والمعادي بشكل مطلق للجماهير المنتجة.

فمنذ وصول الظلاميين إلى السلطة يجري تضييق مستمر على القطاعات الإنتاجية، ومن آخر الخطوات في هذا الاتجاه إغلاق العديد من معامل القطاع العام المنتجة والرابحة، وقد سبق ذلك إغلاق مؤسسات القطاع العام في مجال التجارة والخدمات، ناهيك عن تسريح عشرات الآلاف من العاملين في الدولة والقطاع العام. كما أن وضع القطاع الخاص الإنتاجي ليس بأفضل، إذ يجري إغراق السوق المحلية ببضائع دول الجوار وخاصة تركيا مما يخلق مصاعب إضافية أمام الصناعة الوطنية. أي أن تلك المنشآت التي صمدت طوال فترة الحرب، الآن متجهة نحو الإفلاس بسبب السياسات الحكومية، التي أعلن أنها ستكون سياسات “السوق الحر ” بشكل مطلق. وهذا التوجه يعني، في ظروف سوريا الراهنة، سياسة ضرب الإنتاج الوطني، بما فيه الإنتاج الزراعي الذي لا يمكن أن ينهض بدون دعم حكومي.

وحول مقولة جلب الاستثمارات الأجنبية، بما فيها استثمارات المغتربين، فأي مستثمر عاقل سيتجرأ على الاستثمار في بلد تعربد في أرجائه عصابات مسلحة لا قيد عليها ولا رباط؟

من المحتمل أنه سيجري سعي من قبل السلطة لإنشاء ما يسمى بـ”بواحات استثمارية ” تؤمن للاحتكارات الأجنبية الاستثمار الاستنزافي لثروات بلادنا، وخاصة الغاز والنفط وكذلك الفوسفات. ولكنها ستكون واحات في صحراء قاحلة، و لن يستفيد من هذا النوع من النشاط إلا جزء صغير من السكان. أما الباقي، أي الأكثرية ستبقى تعيش في حالة الفقر.

فلننظر إلى الجوار القريب، العراق من أغنى دول العالم من حيث احتياطي الثروة النفطية، وما هو حال أغلبية سكانه؟ مصر التي تسير في الركب الأميركي منذ السبعينات من القرن الماضي، مطبقة كل إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وبالطبع لم تطبق بحقها أية عقوبات، بل هناك إعانات أميركية، ما هو وضع اقتصادها؟ أزمة تليها أزمة، قيمة عملتها تتدهور باستمرار، يزداد إفقار شعبها. ولو وسعنا دائرة البحث، هناك نيجيريا من أكبر مصدري النفط في أفريقيا وذات مستوى فقر السكان المرتفع جداً في الوقت نفسه. والأمثلة على مثل هذا الوضع كثيرة ومن شتى أنحاء العالم.

ولكن، وبسبب الخطط الاستعمارية، والتآمر الصهيوني، وتنافس القوى الإقليمية، يُحضّر لسوريا ليس نهج تلك البلدان المذكورة، على مساوئه، بل سيناريو أسوء بكثير وهو سيناريو الصومال. فالصومال ذلك البلد الذي تفوق مساحته ٦٠٠ ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانه يزيد عن ١٨ مليون شخص، وللعلم أكثر من ٩٩ بالمئة منهم إسلام سنة وفوق ذلك شافعيون، منقسم حالياً إلى عشرة كيانات مستقلة وشبه مستقلة، تجري فيما بينها، من حين إلى آخر، مناوشات عسكرية، بالرغم من إن أغلب هذه الكيانات يطبق أحكام الشريعة الإسلامية، ولا توجد بحق الصومال أية عقوبات، بل على العكس هي حالياً عضو غير دائم في مجلس الأمن لهيئة الأمم المتحدة، و مع ذلك يعيش أغلب الصوماليين في حالة الفقر المدقع مع أحد أدنى مستويات الدخل للفرد الواحد في العالم، و في حالة انعدام الأمن بسبب عربدة المسلحين من شتى الأشكال و الألوان والمتسترين جميعهم بشعارات دينية ومن طيف ديني واحد، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.

نعم، هذا ما يحضر لسوريا، حسب مخططات القوى الاستعمارية. وأكثر المتحمسين لشرذمة وطننا هم الصهاينة، وهذا يظهر بشكل جلي من أفعالهم.

إن رضوخ السلطة الظلامية في سوريا لإسرائيل يعني، إلى جانب التنازل النهائي عن جبل الشيخ وعن كامل الجولان، إقامة منطقة نفوذ اسرائيلي في باقي الجنوب السوري، ولكن ليس هذا فقط، بل وأيضاً تقسيم سوريا بأي شكل كان.

ويكفي هذا الجانب فقط للتأكيد على أن السلطة الظلامية الاستبدادية لا تتسم بأي ملمح وطني، ولا توجد فيها أية ذرة من الوطنية، بل هي سلطة عميلة للإمبريالية وللأنظمة الإقليمية الرجعية ومنبطحة أمام اسرائيل الصهيونية. بالإضافة إلى ذلك هي سلطة معادية بشكل شرس للشعب في جميع جوانب سياستها الداخلية. فإذن أي كلام حول أن طريق الحل يكمن في الحوار مع هذه السلطة و من ثم تشكيل حكومة موسعة على أساس هذا الحوار، تضم كما يقال “كافة أطياف المجتمع “، هو وهم ضار كأقل تقدير. فمهما كانت نية أصحاب هذا الطرح فهو ضار بالمصلحة الوطنية. وإذا كان المقصود من عبارة “كافة أطياف المجتمع ” ليس تمثيل الطبقات والفئات الاجتماعية، بل كما هو دارج بلغة المستعمرين وأعوانهم تمثيل الطوائف والقوميات، فمن الواضح أن جميع هذه الطوائف والقوميات يوجد فيها عملاء، بالرغم من أن أكثريتها مكونة من الكادحين الوطنيين. وفي حال تشكيل الحكومة حسب الطرح المتداول، أي مع الظلاميين العملاء وبرئاستهم، فمن الواضح أنه سيدخل اليها أشخاص غير وطنيين من جميع الأشكال و الألوان، بمن فيهم المعروفون بفسادهم كما هو حال الحكومة الحالية.

في الوقت الراهن، هناك دعم جماهيري معين للحكم القائم، أي للسلطة الظلامية الاستبدادية. وذلك لأسباب عديدة، منها النقمة على الحكم السابق، الخطاب المنافق للسلطة الحالية، اللعب على وتر التعصب الطائفي، السيل من الوعود الكاذبة، إلى جانب الدور الملموس للقنوات الفضائية الخليجية. وتدل التجربة التاريخية أنه تنشأ حالات يكون فيها مزاج الجماهير مخالف لمصالحها. ومهمة الطليعة الواعية ليس الانجرار خلف مزاج الجماهير في مثل هذه الحالة، بل الإرشاد إلى الطريق القويم.

وإن الطريق القويم ، في الحالة التي يعيشها وطننا ، يكمن في النضال من أجل حرية الوطن واستعادة السيادة الوطنية الكاملة المستقلة عن مصالح المستعمرين وأعوانهم والنضال من أجل وحدة التراب الوطني. وإن تحقيق كل ذلك يتطلب قيام حكم وطني ديمقراطي كنقيض جذري للحكم الاستبدادي الظلامي العميل.

هذه هي شروط تحقيق التقدم والازدهار لشعبنا.

و هذا هو المضمون الحالي للنضال من أجل وطن حر وشعب سعيد.

“منقول عن صفحة  نضال الشعب “

اترك تعليقاً

Scroll to Top