كيف يُهيَّأ الشعب السوري لقبول المستحيل؟
الكاتب السوري ضياء إسكندر
في بلدٍ تتآكله الأزمات، وتزداد فيه كلفة الرغيف على حساب الكرامة، يبدو أن الحاكمين قد وجدوا اللحظة المناسبة لتمرير ما كان قبل سنوات، من المحرمات الوطنية، وهو التطبيع مع “إسرائيل”.
فقد بدأت تظهر معالم مشروع خطير، لا يُقال عنه شيء صراحة، لكن ملامحه تتسرّب قطرةً قطرة، بهدوءٍ محسوب وبلا ضجيجٍ متعمّد. مشروع قد يبدو للكثيرين ضرباً من الخيال أو من نظرية المؤامرة، لكنه يتشكّل على الأرض بخطى بطيئة ومقصودة. إنه مشروع التطبيع الزاحف مع “إسرائيل”، والذي لا يُراد له أن يصدم الناس، بل أن يتسلّل إلى وعيهم حتى يُصبح جزءاً من الأمر الواقع.
فالاستراتيجية التي تتبعها سلطة دمشق تبدو شديدة الوضوح لمن يراقب المشهد من كثب. هناك محاولة لتعويد الشارع السوري على ما لم يكن يُتصوّر قبوله يوماً، عبر جرعات سياسية وإعلامية خفيفة ومتدرجة، تبدأ بتصريحات بريئة المظهر من قبيل: “سوريا لن تشكل خطراً على أمن أي دولة من دول الجوار”، وهي جملة ظاهرها دبلوماسي، لكن باطنها مهادنة مُبطّنة لدولة الاحتلال.
وفي الميدان، يُلاحظ الصمت الرسمي المطبق حيال كل اعتداء صاروخي أو جوي تشنّه “إسرائيل” على الأراضي السورية، حتى صار الخبر مكرّراً ومملاً، وصار التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية واحتلالها المزيد من المناطق أمراً غير ذي أهمية، وكأن السيادة الوطنية أُحيلت إلى التقاعد.
لا بيانات إدانة، لا تهديد، لا حتى امتعاض لفظي. والأدهى من ذلك، أن هذا الصمت المُخزي يلف أيضاً اعتقال قادة فلسطينيين من الداخل السوري دون أدنى توضيح أو تبرير.
وفي الخلفية، يدور الحديث في الكواليس الدبلوماسية عن مفاوضات غير مباشرة، تتبعها تسريبات محسوبة حول الاستعداد السوري للانخراط في “اتفاق أبراهام”، وما أدراك ما هذا الاتفاق! ثم تُطلق بالونات اختبار حول لقاءات سرّية جرت في “تل أبيب” بين وفود سورية و”إسرائيلية”، لتُنشر لاحقاً عبر وسائل إعلام موالية تقارير تحت عنوان: “سوريا دفعت الكثير.. وآن لها أن ترتاح”.
كل هذا يجري في وقت تعاني فيه الغالبية العظمى من السوريين من انهيار معيشي لا يُطاق، وتآكل يومي للكرامة الإنسانية، ما يجعل المواطن العادي منشغلاً بلقمة الخبز، عاجزاً عن رفع رأسه حتى يرى ما يُدبّر له من فوق الطاولة وتحتها. أما القوى السياسية، فغائبة أو متواطئة أو خاضعة، صامتة عن هذا التحول التاريخي الخطير.
إن تمرير التطبيع بهذا الشكل التدريجي لا يقل خبثاً عن الاحتلال نفسه. إنه احتلالٌ للعقل والوعي، قبل أن يكون على الأرض، وتمهيدٌ ممنهج لتفكيك ما تبقّى من عقيدة وطنية طالما ردّدها السوريون بأن “إسرائيل” هي العدو الأول.
إن الصمت الشعبي ليس دليلاً على القبول، لكنه نتيجة لتراكم الخوف والفقر والخذلان. وإذا استمرّ هذا المسار دون مقاومة فكرية وإعلامية حقيقية، فإننا سنستيقظ يوماً لنجد أن كل الخطوط الحمراء قد مُسحت، وأن من كان يرفع شعارات “المقاومة” أصبح حليفاً لمن كان يصفه بعدو الأمة.
فهل نصحو قبل فوات الأوان؟