خورشيد أحمد
يذهبُ المفكّرُ الإيطاليّ أنطونيو غرامشي إلى التفريقِ بينَ نوعينِ منَ المثقّفين : المثقّفُ العضويّ ، والمثقّفُ التقليديّ ، فهو يرى أنّ المثقّفَ ليسَ مجرّدَ شخصٍ يملكُ معرفةً أكاديميّةً فقط ، بل هو فردٌ يُساهمُ في تشكيلِ الوعي الجمعيّ ، ويمثّلُ دوراً حيويّاً في العلاقاتِ الإجتماعيّةِ والسياسيّةِ .
وحتّى يكتسبَ المثقّفُ صفةَ المثقّفِ العضويّ من وجهةِ نظرِ غرامشي ينبغي أن يرتبطَ بالجماهيرِ ويعملَ على تطويرِ وعيهِ ، ويسهمَ في مقاومةِ الهيمنةِ الفكريّةِ السائدةِ ، على خلافِ المثقّفِ التقليديّ الذي يظلّ بعيداً عنِ الواقعِ الإجتماعيّ والسياسيّ ، ويساهمُ في تعزيزِ النظامِ القائمِ وتأبيدهِ ، مُعيداً إنتاجَ القيمِ السائدةِ ، وبالتالي يحكمُ على نفسهِ بالتضاؤلِ والذوبانِ حدّ الموتِ ، حينما يتخلّى عن قضايا مجتمعهِ وعصرهِ .
والمحنةُ السوريّةُ وتحديداً منذُ مجازرِ الساحلِ السوريّ ، ثمّ السويداءِ ،إلى ما نشهدهُ اليومَ في الشيخ مقصود والأشرفيةِ ، أدخلتِ المثقفَ في إختبارٍ حقيقيّ أمامِ فيضٍ من أنهارِ الدّمِ ، الذي أُريقَ على يَدِ الإرهابيينَ والظلاميينَ لمكوّناتٍ تاريخيّةٍ أصيلةٍ منَ الشعبِ السوريّ .
فقد إنبرتْ ثلّةٌ منهم ليسَ فقط الوقوفَ متفرّجاً على ضحايا الإرهابِ بل تبريرَ فعلةَ القتلةِ المجرمينَ ، مندفعةً بحمولةٍ ذهنيّةٍ طائفيّةٍ ،نازعينَ ضمائرهم كما يَنزعُ الإرهابيّونَ قلوبَ الضحايا من أقفاصِ صدورهم ، بل تهاوى بعضهم إلى إنحدارٍ أخلاقيّ مريعٍ ، مُنبرينَ للدفاعِ عن أفعالِ القتلةِ ، مُتمسّحينَ بذيلِ الشيطانِ ، طامحينَ في التقرّبِ من عرشِ السلطانِ ، عبرَ خطابٍ منافقٍ ومراوغٍ مُتخمٍ بالتبريراتِ ، ومحاولاتِ طمسِ وتغييبِ الحقائقِ ، التي تنهضُ شاهدةً من الدماءِ المُسالةِ على أرضِ سوريا .
وبدلَ أن يكونَ مُترجمَ وجدانٍ ، ومندوبَ جرحٍ لا يساوم ، وأن يلعبَ دوراً مهمّاً في التغييرِ ، من خلالِ صياغةِ وعيٍّ شعبيٍّ بطبيعةِ هذهِ السلطةِ الإرهابيّةِ القروسطيّةِ ، ومفاعيلها المدمّرةِ على مستقبلِ وطننا ، يُسارعُ إلى تبريرِ المجازرِ في الساحلِ والسويداءِ واليوم في حلب ، من خلالِ ممارسةِ خطابٍ ديماغوجيّ مضلّلٍ ومخادعٍ .
وإذا كانت كلّ طبقةٍ حاكمةٍ تحتاجُ إلى ما أسماهُ غرامشي
” مُقنِعينَ دائمين ” ممّن نطلقُ عليهم ” المثقفين ” فقد اِستطاعتْ سلطةُ الجولاني أنْ تُدجّنَ هذه المجاميعَ التي تسمّى بالمثقفينَ ليكونوا لسانَ حالها ، وتجرفَ ضمائرهم الميّتةَ إلى قنواتِ تزويرِ الحقائقِ ، وكيلِ الإتّهاماتِ ، ونزعِ العباءةِ الوطنيّةِ التي يتدثّرونَ بها زوراً عمّن يشاؤونَ ، وإلباسها لمن يشاؤونَ ، قياساً على مَساطرِهم الطائفيّةِ ، ويكونوا أبواقاً تصدحُ بخطابِ السلطةِ وخليفتها الإرهابيّ ، عبرَ الفضائيّاتِ ، وعلى وسائلِ التواصلِ الإجتماعيّ ، لدقّ الأسافينِ في جدارِ الوحدةِ الوطنيّةِ للشعبِ السوريّ .
والغريبُ في الأمرِ أنّ هؤلاءِ كلّما شاهدوا وبأمِّ أعينهم الإنحدارَ الأخلاقيّ والوحشيّ للإرهابيينَ ، إزدادت حميّتهم للتجييشِ الطائفي والقوميّ ، وتماهوا مع أفعالهم ، وغدوا شهودَ زورٍ لقلبِ الحقائقِ ، في موتٍ أخلاقيّ وإنسانيّ ، ليتحوّلوا إلى محامينَ للدفاعِ عنِ القتلِ والإنتهاكاتِ الصارخةِ للقانونِ الدوليّ والمعاييرِ الأخلاقيّةِ والإنسانيّةِ . في خيانةٍ مكشوفةٍ لدماءِ جزءٍ كبيرٍ من أبناءِ الوطنِ وحقهم في العيشِ في وطنٍ تظلّلهُ خيمةُ المواطنةِ المتساويةِ .
إنّ هؤلاءِ المثقفينَ يصحُّ فيهمُ قولُ لينينَ : ” المثقّفون هم أكثرُ الناسِ قُدرةً على الخيانةِ لأنّهم أكثرهم قُدرةً على تبريرها ” .
فما حدثَ في الشيخ مقصود والأشرفيّةِ على خلفيّةِ كرديّةِ الحيّيَنِ ، وقبلهُ في الساحلِ السوريّ والسويداء أيضاً على خلفيّاتٍ طائفيّةٍ ومذهبيّةٍ ، من قتلٍ على الهويّةِ للأطفالِ والشيوخِ ، وسبيّ النساءِ ، في إستعادةٍ لأحطّ المراحلِ في التاريخِ الإسلاميّ ، لا بل زادوا على حوادثِ الحقبِ السوداءِ ، من خلالِ تعاملهم الوحشيّ مع المدنيينَ العُزّل والأسرى الذينَ استوصى بهمُ الرسولُ الذي يدّعونَ السيرَ على نهجهِ ، استوصى بهم خيراً ، إلا أنّ هؤلاءِ يمارسونَ وحشيّةً مفرطةً تجاهَ الأسرى ، كإقتلاعِ العيونِ ، وشقّ الصدورِ وإقتلاعِ القلوبِ ، في مشاهدَ لا تُرى إلا في عالمِ الحيوانِ ، وفي إعلانٍ فاضحٍ من الإنحدارِ الأخلاقيّ والوجدانيّ والتحرّرِ القِيَميّ ، والتبوّلِ على اتفاقيّةِ جنيف الثالثةِ ، التي صاغتِ الإطارَ القانونيّ لمعاملةِ أسرى الحروبِ ، وحظّرت تعريضهم لأيّ شكلٍ من أشكالِ العنفِ أو حتى الإهانةِ ، ناهيكَ عنِ التعذيبِ والقتلِ .
بينما هؤلاءِ يمارسونَ قتلَ الأطفالِ خنقاً ، ويمثّلونَ بجثثِ القتلى ، ولعلّ الصورةَ التي ينبغي أن يندى لها جبينُ الإنسانيّةِ صورةُ تلكَ المقاتلةِ الكرديّةِ في الشيخ مقصود وهيَ تُرمى من الطابقِ الثالثِ ، ثمّ الإجهازُ على جثّتها ، وإطلاقِ النعوتِ المسيئة عليها خيرُ شاهدٍ على وحشيتهم .
أمامَ هذا المشهدِ أو المشاهدِ الدمويّةِ يمارسُ المثقّفُ دورَ الساكتِ عنِ الحقّ ، ليغدوِ شيطاناً أخرسَ .
بل يُقلبُ الحقائقَ على أقفيتها ليدخلَ بها حظيرةَ السلطانِ ، وبدلَ أن يكونَ ضميرَ الشعبِ وعقلهِ ، يغدو مِعوَلَ هَدمٍ لوحدتهِ الوطنيّةِ ، ويُغادرَ دورهُ الوظيفيّ المُناطِ بهِ ، في صياغةِ الواقعِ الإجتماعيّ والسياسيّ ، ويبتعدَ عن الانغماسِ المطلوبِ كليّاً في مُمارسةِ الحياةِ على حقيقتها ، ويتخلّى عن قضايا مجتمعهِ ، حينَ يُمارسُ الزيفَ والتضليلَ والتطبيلَ ، ويُهلّلَ لإزهاقِ أرواحِ أبناءِ شعبهِ ، على خلفيّاتٍ طائفيّةٍ أو مذهبيّةٍ أو قوميّةٍ .
وفي مقدّمةِ القضايا التي ينبغي أن يتصدّى لها المثقّفُ هي قضيّةُ المواطنِ السوريّ أيّاً كانَ وحقّهِ في الإختلافِ والحياة
