بحث مهم نشرته جريدة #نضال_الشعب : فيه افكار ورؤى جديدة تستحق النقاش والنقد والحوار
لا يمنع طول النص من استحقاقه لعناء القراءة
.
نتمنى من رواد الصفحة ومتابعيها الادلاء بدلوهم بخصوص ما سيتبع، ونتمنى قراءة ممتعة للجميع.
حين تتصدع القاعدة:
ملامح الانهيار البنيوي في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وانعكاساته الراهنة على المنطقة
باحث شيوعي
على مدى خمسة قرون، تكرّر مشهد واحد في مسرح التاريخ الدولي: قوة صاعدة تتحدى قوة مهيمنة، فيندلع الصراع بينهما على قيادة العالم. هذا النمط المتكرر من المواجهات، الذي أطلق عليه المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس اسم «الفخ»، حين وصف صعود أثينا الذي أثار خوف إسبرطة وأشعل حرب البيلوبونيز قبل أكثر من ألفي عام، ما زال حتى اليوم أحد أكثر المفاهيم دلالة في فهم العلاقات بين القوى العظمى.
وفي دراسة بارزة أجراها مركز بلفر للشؤون الدولية بجامعة هارفارد (Belfer Center for Science and International Affairs)، بقيادة الباحث الأمريكي غراهام أليسون Graham Allison، تم تحليل 16 حالة تاريخية شهدت صعود قوة كبرى جديدة هددت مكانة قوة مهيمنة قائمة خلال القرون الخمسة الماضية.
وكشفت الدراسة أن 12 حالة من أصل 16 انتهت بالفعل بحرب مباشرة بين الطرفين، بينما أربع حالات فقط تمكنت من تجنب المواجهة عبر ترتيبات دبلوماسية دقيقة أو توازنات جديدة في القوة الدولية. هذه النتائج نُشرت ضمن كتاب أليسون الشهير «Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap?» الصادر عام 2017، الذي أثار نقاشًا واسعًا حول احتمالات اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والصين.
تُظهر هذه الحالات أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في طموح القوة الصاعدة، بل في ردة فعل القوة المهيمنة التي ترى في التغيير تهديدًا وجوديًا لنظامها ومكانتها العالمية. الحرب المباشرة بين هذه القوى، كما في معظم الحالات المدروسة، لا تحدث إلا حينما تصل التناقضات بين مصالح القوى المتصارعة على عرش السيطرة العالمية إلى نقطة حدية يستحيل معها فك هذه التناحرات إلا بامتداد السياسة إلى شكلها الأكثر بطشًا وخرابًا وهو الحرب. ولكن ما يميز هذه الأخيرة، إن وقعت، أنها حرب خراب للعرش ككل؛ إنها ليست حرب وجود لنظام على حساب آخر فحسب، بل حرب وجود للبشرية جمعاء. وعادةً ما تتزامن انفجارات هذه التناقضات البينية بين القوى العالمية مع نهاية الدورة الاقتصادية لنمط الإنتاج السائد — وفي حالتنا هي الرأسمالية بأعلى اطوارها، وهي الرأسمالية الاحتكارية أي الإمبريالية.
إلا أن الملفت أن الدورة الرأسمالية التقليدية التي تمر بعد كل أزمة بمرحلة من الركود ثم تليها مرحلة من بداية التعافي تسمى الانتعاش، وصولًا إلى المرحلة الرابعة وهي الازدهار حيث يتطور الإنتاج ويزداد إلى مرحلة يفيض فيها عن حاجة الاستهلاك فيأتي الكساد وتليه الأزمة كردة فعل على انهيار الأرباح.
هذه الدورة الكلاسيكية لرأس المال أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية تنحو إلى التشوه، أي تتقلص فيها فترات الانتعاش والازدهار على حساب فترات الأزمة والركود. وبهذا نفهم عدم قدرة معظم دول العالم تقريبًا على العودة إلى مستوى المعيشة الاجتماعية الذي ساد قبل أزمة 2008/2009؛ فالعالم يعيش بحالة ركود متضخمة ومستمرة تقطعها حالات انتعاش فردية لبعض الأسواق ما تلبث أن تعود إلى الركود، وتصبح مع باقي القطاعات تقاتل بشراسة كي لا تسقط في حالة الأزمة من جديد، متخذةً من الحروب الإقليمية المحصورة جغرافيًا والمنهكة لأعدائها أفضل أسلوب لعدم السقوط في الأزمة — حسبهم — وأن زمن الانتعاشات والازدهارات قد ولى إلى غير رجعة. فهذا أيضاً ضرب من الخيال. إذاً الدورة الرأسمالية لم تعد رباعية الفصول، بل لها فصلان واضحان: أزمة – ركود. ستستمر بحركتها نحو التشوه بتقصير فترات الانتعاش المستقبلية لصالح طول عمر الأزمة، حتى نصل إلى مرحلة فريدة في التاريخ الرأسمالي هي «أزمةٌ – أزمة»، أي وصولًا لعالم مأزوم رأسماليًا بشكل دائم حتى فنائه أو فناء الحضارة البشرية.
إن هذا التشوه البنيوي في الدورة الرأسمالية يمكن ملاحظته بشكل لا يدع مجالًا للشك من خلال تراجع المكانة العالمية لشركات النفط والطاقة لصالح شركات وتكتلات رأسمالية غير إنتاجية بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي للكلمة، وهي شركات التكنولوجيا والسلاح، المتحالفة مع رأس المال المصرفي بطبيعة الحال، كسمة أساسية في نمط الإنتاج الرأسمالي بمرحلته الإمبريالية.
من أهم مظاهر هذا الحكم الجديد لعرش رأس المال، هي فقاعة الذكاء الاصطناعي التي لا ينطبق عليها تعبير أكثر واقعية من تعبير ماركس عن البورصة بأنها «اقتصاد كازينو»، والتي يُستثمر فيها سنويًا بشكل مجنون وتُضَخ فيها مئات المليارات من الدولارات على قاعدة أنها قارة جديدة يتم اكتشافها، ومن يسبق إليها ويحتل أكبر قدر منها سيحصل على أفضل الشروط والفوائد للسيطرة والهيمنة المستقبلية.
ولكن خلف هذا النمو المتسارع للقيم السوقية لهذا الفرع الرأسمالي تكمن مخادعات كبرى هدفها في النهاية نهب أكبر قدر ممكن من الثروة وتركيزها ليس فقط من جيوب كادحي العالم بل حتى من جيوب الحلفاء الرأسماليين من الدرجات الثانية والثالثة وصولًا إلى الكمبرادور العميل في كل بلد. فمثلاً أكبر المستثمرين في شركات الذكاء الاصطناعي هم عمالقة التكنولوجيا العالمية، أي Google وAmazon وMicrosoft، وهذه الاستثمارات تصل عادة إلى أقوى مؤسستين في هذا السياق، وهما OpenAI وAnthropic، وتستثمر هاتان الشركتان معظم وارداتهما في تقدم الخدمات السحابية التي تقدمها شركات التكنولوجيا آنفة الذكر، أي أنها عملية نمو وهمي في حجم هذه الشركات عن طريق تدوير المال لجلب الاستثمارات دون زيادة حقيقية في الإنتاج، ما يخلق بالضرورة فقاعة اقتصادية ستنفجر قريبًا بموجات إفلاس وما يتبع ذلك على السوق الرأسمالية الدولية. فهي، بذلك، رأس مال كبير قائم على قوائم خشبية مهترئة، أي لا أساس إنتاجي حقيقي لها يستطيع أن يكون حاملًا لهذه الفوائض التي أنشأت هذا النمو الفقاعي أو التمويل الدائري.
وهذا يذكرنا بأزمة فقاعة (com.) في نهاية القرن الماضي، والتي أدى انفجارها إلى تدحرج كرة الانهيارات وصولًا إلى أزمة 2008 التي لم يخرج الاقتصاد الرأسمالي العالمي من تبعاتها الحقيقية حتى اليوم، رغم كل ما شُنّ من حروب قبلها لتلافيها، ورغم كل الخراب الذي أصاب دول الأطراف لاحقًا وصولًا إلى أزمة كورونا والحرب في أوكرانيا والشرايين المفتوحة في آسيا الوسطى، شرق المتوسط، شمال ووسط أفريقيا، والآن تقرع طبولها على أمريكا اللاتينية من بوابة فنزويلا وكولومبيا والكاريبي.
والسؤال هنا ليس متى سوف تنفجر هذه الفقاعة بل كيف؟ وما الذي سيتبعها من تشوهات وتغيرات بنيوية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وما الذي سَيُصاحب هذه الانفجارات من هزات اجتماعية عملاقة على الصعيد العالمي كحروب وثورات وكل أشكال الارتدادات الاجتماعية لهذا التحول العنيف في أشكال محركات التاريخ البشري؛ وهو الاقتصاد والصراع الطبقي.
الجوهر الاقتصادي لهذه الأزمة هو زيادة الاستثمار في الرأسمال الثابت على حساب رأس المال المتغير المنتج الحقيقي لفائض القيمة، مما سيؤدي لاحقًا إلى تصفير معدلات الربح أو حتى جعل نموها سالبًا، وهو ما يمكن ملاحظته بشكل أوسع في أزمة الديون العالمية. وهذا قانون ماركسي بامتياز اكتشفه ماركس في كتابه «رأس المال»: ميل معدل الربح نحو الهبوط. فالاقتصاد الرأسمالي العالمي يبدو كبرج متين قاعدته هي الاقتصاد الأمريكي، لكن هذا البرج أشبه ما يكون ببرج مصنوع من حجار الدومينو، هش لدرجة أنه سينهار على عرشه عند سقوط أي حجر في القاعدة.
أما الشكل الثاني للتضخم الحالي في فرع رأسمالي آخر غير إنتاجي في الرأسمالية، الذي يأخذ شكل هدر مباشر للثروة، فهو التضخم غير المسبوق تاريخيًا في ميزانيات العسكرة العالمية، وازدياد النزعة العدوانية لكل الأحلاف الاستعمارية التقليدية والحديثة. وخير دليل على ذلك تبديل قاطع الطريق العالمي دونالد ترامب اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى «وزارة الحرب». حيث شهدت الأشهر الثلاثة السابقة — أي منذ تموز/يوليو حتى تشرين الأول/أكتوبر — حدثين كبيرين غير مسبوقين في التاريخ بهذا الصدد: أولهما قمة حلف الناتو في واشنطن التي فرضت بموجبها واشنطن على جميع الدول الأعضاء زيادة نفقاتهم العسكرية بنسبة 5% من إجمالي الناتج المحلي لتلك الدول، كي تشتري بها سلاحًا أمريكيًا؛ أي باختصار اقتطاع أجزاء هائلة من كل برامج التعليم والصحة والضمان الاجتماعي من شعوب تلك الدول لصالح احتكارات السلاح الأمريكية. إنها سياسة المافيات بشكلها الفج، حيث أصبحت ميزانيات الدفاع لحلف الناتو نتيجة هذه الزيادات تفوق 1.59 تريليون دولار، وهذا الرقم لا يشمل ميزانيات باقي فروع القوات المسلحة لتلك الدول، أي أن حلف الناتو يمتلك ميزانية تعادل نصف ما تكلفته البشرية مجتمعَةً من نفقات عسكرية في الحرب العالمية الثانية محسوبة بأرقام اليوم مع احتساب معدلات التضخم. ونحن هنا نتحدث عن زمن لا توجد فيه حرب معلنة تبرر كل هذه الزيادات، باستثناء التهديد المتواصل من اجتياح روسي لأوروبا بحسب ما تروجه ماكينة الإعلام الغربية لتبرير هذه الزيادات وتخفي خلفها الهدف الحقيقي منها وهو دفع الدول إلى إنفاق المال الإمبريالي الأمريكي.
طبعًا العديد من الأزمات السياسية في معظم هذه الدول وخاصة الأوروبية — والتي أصبحت دولًا شبه مستعمرة — سببها الحقيقي هذا الإنفاق وخسارة مواقعها في السوق العالمية لصالح تركز رأس المال في قطبي الصراع الإمبريالي العالمي الحالي: أمريكا والصين. ففرنسا على سبيل المثال تكاد تكون اليوم صحراء صناعية بعد هجرة غالبية القطاعات الصناعية منها إلى أمريكا تبعًا لسياسة العصا والجزرة الأمريكية التي اتبعتها الإدارات الأمريكية السابقة والحالية، وخاصة بعد قطع الطاقة الروسية الرخيصة عن أوروبا ورفع معدلات الفائدة تبعًا لتوصيات البنك الفيدرالي الأمريكي.
أما على المقلب الآخر من العالم، فإن العرض العسكري الصيني الأخير، الذي استعرضت فيه الصين قدراتها العسكرية غير التقليدية، كان رسالة واضحة أن حالة الزحف والتسلل الهادئ إلى الأسواق العالمية أصبحت اليوم مدعومة بترسانة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة في التاريخ. وهذا التراكم في العسكرة لن يمر دون صدام للأسف، وقد بدأت معالمه ببعض البروفات التجريبية في ميادين التوتر العالمية، كما حدث بين الهند وباكستان منذ عدة أشهر، حيث كانت جولة نزال قصيرة نسبيًا بين السلاح الغربي من جهة والصيني من جهة ثانية، حققت فيه الأخيرة نصرًا بضربات قاضية دفعت قادة العالم الغربي إلى الهرولة لوقف الحرب وستر الفضيحة. وما اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان الموقع قبل شهر إلا محاولة لسحب باكستان وإعادتها إلى الفضاء العسكري الغربي. وسوف تسير على خطى باكستان إيران بطبيعة الحال وخاصة بعد حرب الأيام الـ12 مع إسرائيل الصهيونية وخلفها منظومة الاستعمار العالمية.
أضف إلى العسكرة أن أهم مكونات الصناعة الحالية وهي المعادن النادرة التي تدخل في قلب تركيب وتشغيل قلب الصناعة الحياتية وهي الرقائق الإلكترونية، أصبحت محدودة التصدير والاستهلاك إلا بموافقات صارمة كي لا تستخدم في صناعات عسكرية تضر مصالح الدول المتنافسة، وخاصة إذا علمنا أن الصين تحتكر 90% من هذا السوق العالمي استخراجًا وتحويلًا وتسويقًا.
كل أطراف الصراع الرئيسية في هذا الصراع تدرك أن حربًا مباشرة عسكرية سوف تدمر الجميع، إلا أن هذا الخيار لا يزال متاحًا بالنسبة لهم كطلقة أخيرة؛ ولكنه لا يمكن أن يلغي الحروب بأشكال أقل مباشرة، كالحروب الإقليمية على كامل خطوط التجارة الدولية والمجالات الحيوية لكلا الطرفين؛ وخاصة من قبل الولايات المتحدة حيث هي التي يُهَدَّد عرش سيطرتها وهيمنتها العالمية، من بحر الصين الجنوبي والشمالي إلى باقي محيطات العالم، ومن حدود الصين البرية الغربية حتى شرق المتوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. إنها حروب خطوط التجارة بعيدة المدى، وستدخل ساحة جديدة على هذا الصراع قريبًا وهي خطوط القطب الشمالي، وهذا ما يفسر إدخال السويد وفنلندا في حلف الناتو.
كل هذه الأزمات والحروب ستؤدي بشكل متسارع إلى زيادة الاستقطاب العالمي، وتركيز الثروة والقوة في عدد أقل من البلدان، وخاصة بعد الإنهاك الكبير الذي أوقف عمليًا عجلة أي تقدم روسي وأوربي جراء صراع هذه الأطراف واستنزافها في الحرب الأوكرانية.
ساحة أخرى تظهر مؤخرًا داخل المنظومة الإمبريالية ذاتها، وهي الصراع بين شركات الطاقة التقليدية وبين شركات الطاقة البديلة مع التغير المناخي الذي يطرأ على الكوكب وكل ما سيتبعه من اختلالات وإعادة تشكيل للسوق الزراعية والمائية العالمية، وما سيرافقه من موجات عالمية من النزوح والهجرة وإعادة توزيع أسواق العمل، والتخلي التدريجي عن الطاقة الأحفورية وكل ما يرتبط بها من خطوط وشبكات إنتاج لصالح السوق الجديدة، التي عقدت من أجلها عدة اجتماعات دولية، كان باريس وشرم الشيخ أهمها. إلا أن الخلاف كان: هل ستقوم الدول الناشئة بالتحول إلى الطاقة البديلة من خلال منح دولية لإعادة التكيف مع السوق العالمية الجديدة، أم كما تطلب الدول الإمبريالية من خلال قروض، وبالتالي زيادة التحكم والهيمنة في قرار ومصير شعوب تلك الدول؟
في الوقت الذي تسعى فيه الدوائر الإمبريالية الكبرى جاهدةً إلى درء الوقوع في الأزمة الدورية بشكلها التقليدي، يحتدم الصراع عالميًا بين مصالح هذه الطغم وبين طبقة المنتجين الحقيقيين للخيرات المادية على هذا الكوكب. فمع ازدياد الفقر عالميًا بمعدلات غير مسبوقة (حيث وصل إلى 48% من سكان الكوكب يعيشون تحت خط الفقر الذي اعتُبر معياره العيش بأقل من 6.85 دولار في اليوم للشخص الواحد، و9% يعيشون تحت خط الفقر المدقع أي بأقل من 2.15 دولار يوميًا)، تتعرض الفئات الوسطى عالميًا للاضمحلال والانكماش والهبوط إلى الطبقات الأدنى مع تضيق حلقة الطبقة الإمبريالية نتيجة آليات السوق في الإقصاء والتكديس في آن.
إن هذا التقلص الملحوظ في الفئات الوسطى العالمية جاء جراء الانفلات الأرعن للسياسات الليبرالية الجديدة في معظم دول العالم، والتي لا تزال تسارع خطواتها في تطبيق هذه السياسات المعادية للشعوب، كما جرى التراجع عن معظم المكتسبات التي حققتها الطبقة العاملة في أوروبا والأمريكتين وجنوب شرق آسيا لحساب تكديس مزيد من الثروات في يد مجموعة من الاحتكارات التي تزداد ثراءً وتقل عددًا مع الوقت، مما ساهم في تعميق الانخفاض العام للقدرة على الاستهلاك الإجمالي العالمي حتى لهذا القدر غير الكبير في معدلات الإنتاج العالمية؛ أي أن فيض الإنتاج أصبح من غير الضروري أن ينتظر فترة ازدهار كي يحدث، بل حتى في فترة الركود فهو بفعل هذه السياسات النيوليبرالية أصبح عرضة للحدوث والانفجار.
ستلقي هذه المعطيات بظلالها على مستقبل السياسة والاقتصاد الدوليين للعام القادم، وقد تكون الهزات الاجتماعية داخل المراكز الإمبريالية التقليدية نفسها هي أهم أحداث الفترة القادمة، إذا ما فشل الغرب السياسي في إشعال مزيد من الحروب الكبيرة.
وقد يكون من الجيد البدء بالبحوث والدراسات عن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الأزمات وآليات التعاطي معها والتكتيكات التي يجب أن تتبع كي تستطيع القوى الثورية والعمالية العالمية الاستفادة منها، بحيث تكون هذه التحولات لصالحها لا عليها. فالإمبريالية ليست معدومة الوسيلة ولن تنتظر أن تنهار من تلقاء نفسها بل ستقوم بهجوم اجتماعي مضاد عن طريق تجيير السخط الشعبي العالمي لصالح قوى اليمين والتطرف الذي لن يفعل شيئًا إلا إعادة إنتاج ذات المنظومة ولو بوجوه جديدة، ولكن على أنقاض ملايين الفقراء للأسف كالعادة.
فالجبهة الفكرية والإيديولوجية في هذه المعركة بين قطب الشعوب وقطب الاستغلال الرأسمالي لا تقل أهمية عن أي جبهة نضالية أخرى، وخاصة إذا ما أدركنا أن الهزات الكبرى في الاقتصاد الكلي للنظام الاقتصادي القائم ستؤدي حتمًا إلى تشوهات في البناء الفوقي لهذا النظام من فكر وإعلام وقوانين دولية ومحلية، وحتى عادات الاستهلاك والإنتاج والتعايش والتبادل. ناهيكم عن محاولة نشر وتعميم الفكر السوداوي التشاؤمي والظلامي كوسيلة فعالة في حرف السخط الشعبي وتحييده عن الأعداء الحقيقيين والمسببين لهذا الوضع.
منطقتنا في شرق المتوسط لا تخرج أبدًا عن سياق الأحداث وديناميكية الصراع الإمبريالي العالمي المحتدم في الفترة الراهنة؛ فالأحداث في فلسطين وسوريا المحتلتين ليستا صواعق وأعاصير في صيف مشمس، وإنما ما يحدث بهما يأتي في سياق تراكمي كبير.
وبالنسبة للواقع، فإن أبرز حلقات الصراع تبرز من خلال خطة سلام «القبور» التي يروج لها قاطع الطريق العالمي ترامب، وخاصة فيما يتعلق بقطاع غزة الأسطوري؛ وثانيًا فيما يتعلق بالصراع الإقليمي على تقاسم الكعكة السورية للقوى الإقليمية المجاورة برعاية أميركية لكل الأطراف رغم تناحرها فيما بينها.
في كل الحالات تخرج شعارات تتصدر عناوين السياسة للأحداث، فالقوى الظلامية الكمبرادورية المسيطرة تريد أن تبقى سوريا موحدة تحت الكرباج الطوراني العثماني التركي، أي إن دعوتها لوحدة سوريا هي خدمة لأحد الأسياد وهو التركي، وليس خدمة لفكرة وطنية نبيلة؛ فالوحدة لا تأتي بالإكراه إنما بالاندماج الطوعي والمصالح والسوق المشتركة، وإلا ستكون لغمًا قابلًا للتفجير في كل وقت.
وباقي القوى الكمبرادورية التي تحاول إنشاء إقطاعيات سياسية طائفية وقومية في كل «مكون» من «مكونات» الشعب السوري تنادي بالاستقلالية وحق تقرير المصير تحت وطأة المجازر التي ارتكبتها سلطة الإرهاب القائمة بحقهم والتي تدفع دفعا لهذه النتيجة بهذه الممارسات الاجرامية. وطبعا الراعي الرسمي لهذا الخطاب والمتبني له هو إسرائيل الصهيونية ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد المعروف.
إذاً الخيارات التي تقدمها القوة الاستعمارية الفاعلة في سوريا هي: الصوملة أو الاحتلال. وفي كلا الحالتين شرّ وبلاء.
ولا بد أن يفضي التناحر بين هذه القوى في المستقبل إلى إتاحة الفرصة للقوى الوطنية، لاقتناص هذه الفرصة وإحداث التغير المنشود في سوريا إذا استمر هذا الوضع الاستعصائي والسكوني في هذا البلد نتيجة توازن القوة من جهة وعدم انتهاء الدور الوظيفي لرئيس السلطة الظلامية القائمة في دمشق وثلته العميلة، الذي رسمته له القوى الاستعمارية وخاصة البريطانية، لا بل هيأته وجاءت به من أجل ذلك.
السلطة القائمة حاليًا لا تملك أي مقوم من مقومات البقاء على قيد الحياة كسلطة تحكم بلدًا كسوريا: فلا مؤسسات إنتاجية ولا إنتاج زراعي؛ ودمار هائل ونصف الشعب نازح، وإن عاد حاليًا إلى الوطن لن يجد باب رزق إلا التسول. الرواتب تدفعها محميات النفط الخليجية، وأجهزة ما تبقى من دولة تُدار من تركيا بواسطة «مشايخ» وشرعيين؛ الأمن شبه معدوم وتنحصر وظيفته في المجازر وإجبار المواطنين على دفع الخوات وقمعهم في آن.
أما مؤسسة الجيش، بعد حلها من رأس النظام السابق قبل هروبه وتدمير ما تبقى منها من قبل الطيران الصهيوني، فقد أصبحت مأوى وملاذًا لكل شذاذ الآفاق العالميين ومرضى العودة إلى زمن القرون البدائية.
إذاً السؤال ليس هل ستستقط هذه السلطة، بل متى وكيف؟ طبعًا يجب على كل الوطنيين السوريين — وهم كثر — السعي للتحالفات ورص الصفوف وتشكيل الجبهات السياسية والوطنية لإسقاط هذه السلطة بالاعتماد على جماهير شعبنا وليس على «عطف» الدول الكبرى علينا، سواء بتدخل استعماري مباشر أو بترويج ممثلين لها. وكأن الشعب السوري عاجز عن إفراز قيادات وكفاءات وطنية بعيدة عن الثنائية التي تحاول القوى الكبرى حشر الشعب السوري فيها، كما فعلت إبان سقوط حسني مبارك حيث حشروا الشعب المصري بين خيارين: إما الإخوان أو إعادة إنتاج النظام القديم من خلال انتخاب عمر سليمان.
إذاً التناحر البيني للقوى الإقليمية الراهنة صاحبة النفوذ الأكبر في سوريا المحتلة، ووحدة الصف الوطني، وإحياء التراث الوطني لشعبنا ورموزه الكبرى من يوسف العظمة إلى سلطان الاطرش الى صالح العلي ومحمد الأشمر وابراهيم هنانو وغيرهم يمكن أن يعطينا فسحة أمل كبيرة بطبيعة الحال للنضال، مهما كان مضنياً، في سبيل استقلال كل سوريا وسيادتها ووحدة ترابها، وتحقيق الحياة الحرة والكريمة لشعبها.
عن صفحة جريدة
