الـصـحـفي اللبناني جـمـال شـعـيـب
بينما كانت تل أبيب تراهن على أن “الجرح الغائر” الذي أصاب حزب الله في خريف 2024 سيبقيه في حالة شلل استراتيجي لسنوات، استيقظت الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية في مارس 2026 على واقع ميداني مغاير تماماً. التقارير العبرية الصادرة خلال الأسبوع الأخير لم تكتفِ بنقل أعداد القتلى والجرحى، بل بدأت تفتح ملف “الفشل المتجدد” في تقدير قدرة التنظيم على ترميم نفسه تحت الرادار.
“نستعرض في هذا التقرير تفاصيل المواجهات الأخيرة، وتكتيكات حزب الله، والانهيار المعلوماتي الذي يقر به المحللون الإسرائيليون من خلال اقتباسات مما نشر أو تم بثه في الإعلام العبري”
تقرير: “كمين الضباب” جنوب الليطاني.. كيف استعاد حزب الله المبادرة؟
صدمة “اليقظة الثانية”: سقوط وهم الردع
في تقرير مطول لصحيفة “يديعوت أحرونوت” (بقلم المحلل العسكري يوآف زيتون)، وُصفت المواجهات البرية التي اندلعت في النصف الثاني من مارس 2026 بأنها “الأكثر تعقيداً منذ عقود”. يشير زيتون إلى أن الجيش الإسرائيلي الذي توغل في جنوب لبنان اصطدم بتنظيم لم يكتفِ بالبقاء، بل أعاد هيكلة وحداته القتالية لتصبح أكثر “لامركزية” وفتكاً.
“دخلنا لننظف ما اعتقدنا أنها جيوب متبقية، لنجد أننا أمام “أشباح” يمتلكون تكنولوجيا متطورة لم تكن بحوزتهم في 2024. هناك عمى استخباراتي أصابنا طوال الـ 15 شهراً الماضية؛ لقد اعتقدنا أنهم منشغلون باللملمة، بينما كانوا يبنون شبكة دفاعية رقمية وهجينة.” — يوآف زيتون، يديوت أحرونوت.
التكتيكات القتالية: “المزج بين الكلاسيكية والذكاء الاصطناعي”
تحدثت تقارير “هاآرتس” عن أسلوب قتالي جديد يتبعه مقاتلو حزب الله، يجمع بين حرب العصابات الكلاسيكية واستخدام “الأسراب الانتحارية” من المسيرات الصغيرة.
اصطياد الدبابات: كشفت صحيفة “معاريف” (عبر المحلل آفي أشكينازي) أن حزب الله استخدم صواريخ مضادة للدروع من طرازات مطورة قادرة على الالتفاف فوق منظومة “تروفيه” للدفاع عن الدبابات، مما أدى إلى تدمير واحتراق عدة آليات في قطاعات “مارون الراس” و”بنت جبيل” خلال الأسبوع الأخير.
الكمائن المركبة: وصفت تقارير ميدانية في “تايمز أوف إسرائيل” كيف يتم سحب القوات الخاصة الإسرائيلية إلى “مناطق قتل” معدة مسبقاً، حيث يتم تفجير عبوات ناسفة ثقيلة، يتبعها هجوم متزامن بالأسلحة الرشاشة والمسيرات، وهو ما يفسر ارتفاع أعداد القتلى بين الرتب المتوسطة (نقيب ورائد) في لواء “غولاني” و”الكوماندوز”.
التفوق في “الرصد والاستطلاع”: الحزب يرى كل شيء
النقطة الأكثر إثارة للقلق في الإعلام العبري كانت قدرات الاستطلاع المتقدمة. في تحليل لشبكة “N12” العبرية، أشار الخبراء إلى أن حزب الله نجح في بناء منظومة رصد تعتمد على مسيرات صامتة وأجهزة استشعار حرارية منتشرة في التلال، مكنته من مراقبة تحركات الجنود بدقة متناهية.
“حزب الله اليوم ليس هو حزب الله 2006 أو حتى 2024. لديهم قدرة “بصرية” مذهلة؛ إنهم يعرفون متى يخرج الجندي من مدرعته ليأكل، ومتى يتم تبديل الورديات. لقد استخدموا فترة الهدوء لزرع آلاف الكاميرات والمستشعرات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف بدقة.” — روني دانيل (محلل عسكري إسرائيلي).
فاتورة الدم: “أرقام لا تكذب”
أوردت الصحف العبرية حصيلة قاسية للمواجهات الأخيرة، مشيرة إلى سقوط العشرات من الجنود بين قتيل وجريح في غضون أسبوع واحد فقط.
خسائر الضباط: لفتت “القناة 13” الإسرائيلية إلى أن استهداف مراكز القيادة الميدانية أدى لمقتل ضباط برتب رفيعة، مما يعكس كفاءة استخباراتية لدى حزب الله في تحديد “الرؤوس المدبرة” للعمليات البرية.
الإخلاء تحت النار: وصفت التقارير عمليات إجلاء الجرحى بأنها “كابوسية”، حيث يواجه سلاح الجو صعوبة في الهبوط بسبب انتشار الصواريخ المحمولة على الكتف (MANPADS) التي أظهر حزب الله جرأة غير مسبوقة في استخدامها.
وقائع “العمى الاستخباراتي”(2024 – 2026)
تجمع التقارير على أن مجمع الاستخبارات (أمان) والموساد وقعا في فخ “الغطرسة التقنية”.
الفشل في رصد إعادة التسليح: لم تدرك إسرائيل أن حزب الله استطاع تهريب وتصنيع تكنولوجيا “المسيرات الانتحارية” داخل القرى الجنوبية رغم الرقابة اللصيقة.
خداع الهدوء: اعتمد حزب الله استراتيجية “الصمت اللاسلكي” لمدة عام كامل، مما أعطى انطباعاً زائفاً بالضعف، بينما كان المقاتلون يتدربون في أنفاق محصنة لم تصل إليها غارات 2024.
ترميم “قوة الرضوان”: اعتقدت إسرائيل أن هذه القوة قد تلاشت، ليتضح في معارك مارس 2026 أنها أعادت تنظيم نفسها في مجموعات أصغر وأكثر مرونة وتخصصاً في القتال الليلي.
تجمع المصادر العبرية على أن ما يحدث في جنوب لبنان حالياً ليس مجرد “صدام حدودي”، بل هو مواجهة مع جيش منظم يمتلك تفوقاً تكتيكياً في “أرضه”، وقد نجح في تحويل “الهدوء” السابق إلى سلاح استراتيجي أصاب الاستخبارات الإسرائيلية بالعمى، وجعل من التوغل البري عملية “نزيف مستمر” للأرواح والآليات .
