حرب غير عادية ..وايران تقدم نموذجا مختلفا في المواجهة

سليمان أحمد

هل صحيح هذه الحرب هي آخر حروب الغرب الكبرى ضد بقية العالم كما يقول العالم الفرنسي ايمانويل تود ؟

وهل هذه الحرب تمثل سقوط قواعد النظام الدولي وتفتح الباب أمام طور جديد من الصراع الكوني كما يرى ذلك المفكر الروسي الكسندر دوغين .

اذاً .. الحرب الحالية تتجاوز كونها حرب عادية في سلسلة حروب شنتها الامبريالية على دول العالم .

العالم أمام منعطف تاريخي، الامبريالية العالمية على وجه العموم والامبريالية الأمريكية الأقوى نفوذا على وجه الخصوص تواجه أزمة بنيوية شديدة، وكونها فقدت كل وسائل المعالجة الأخرى لهذه الأزمة، اتجهت نحو تكثيف جهودها العسكرية التدخلية واستخدام العنف آخر أسلحتها الاستراتيجية ووضع يدها على مصادر الطاقة في العالم والتحكم بطرق الامداد والعبور لقطع الطريق أمام خصومها وابتزازهم .

هناك من يحاول إعطاء هذه الحرب صفة ثقافية وصراع ميتافيزيقي كما يلمح لذلك الكسندر دوغين، وهنا يجب أن ننوه ان الامبريالية وفي سبيل شرعنة حروبها العدوانية قد تلجأ إلى المقدس واستحضار السماء كما أشار إلى ذلك الباحث الدكتور طنوس شلهوب، ولكن كل هذا لا يغير أبدا الجوهر الاقتصادي للحرب والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية في السيطرة على مناطق النفود في العالم .

السلاح النووي والصواريخ الباليستية وما يسمونها ب “أذرع ” ايران في المنطقة، قد تكون مطالب اسرائيلية أكثر ما تكون مطالب أمريكية، هناك حقيقة لا يفهمها الكثيرون، لم تعد الاحتكارات الأمريكية لديها متسع من الوقت لمعالجة صعوباتها واختناقاتها وتحديدا في الاقتصاد الانتاجي الحقيقي، كأن تفرض سياسات تأتي بأكلها فيما بعد كالثورات الملونة وفرض برامج اقتصادية ووصفات نيوليبرالية على دول بعينها لنهبها، بل أصبحت بحاجة إلى إلحاق اقتصادي مباشر ووضع اليد على النفظ والغاز والثروات كما حصل في فنزويلا والمحاولة في ايران أكبر احتياطيين للنفط والغاز في العالم , أي لم تعد الامبريالية تمتلك رفاهية النهب عن بعد كما مارسته بنهاية الحرب العالمية الثانية وازدادت وتيرته بنهاية الثمانينات بعد انهيار المعسكر الاشتراكي .

فرادة ايران والأهمية التاريخية لنموذجها تأتي كونها دولة طرفية كبيرة وغير قابلة للاحتواء من قبل الاحتكارات العالمية على مدار 47 عاما , وتمتلك ثروات باطنية هائلة ورقعة جغرافية كبيرة وموقع استراتيجي مهم وسيطرة على مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من 50% من الطاقة العالمية, غير الأسمدة والمواد الأولية لصنع الرقائق الالكترونية عصب الاقتصاد الحديث, ووجود نظام عقائدي وسلطة دينية في ايران لا يغيران ابدا من طبيعة الصراع الاقتصادي الجيوسياسي .

هل هناك رهان على النموذج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لنظام الحكم الايراني أن يكون أمثولة لدول الأقليم ..؟ قطعاً لا ولا نناقش الموضوع من هذه الزاوية

الفعل السياسي الايجابي لهذا النموذج هو مناهضته الايديولوجية الصريحة لقوى الهيمنة العالمية، وبنفس الوقت عدم تقبل قوى الهيمنة له كونه يشكل تهديدا لمصالحها .

ايران أعدت نفسها جيدا لهذه المواجهة وضمن امكانياتها المحدودة مقارنة مع المعتدين , وهذا جانب ايجابي على درجة عالية من الأهمية في بث روح المقاومة والشجاعة لدى العديد من الشعوب وفي مختلف القارات .

فايران بنظامها السياسي العقائدي الذي سواء اختلفنا معه أو أتفقنا وفي أسوأ مرحلة تمر فيها حركات التحرر في العالم، تقدم نموذجا محتلفا عن نماذج الذل والتبعية والجبن المتراكمة كالفطور في الأقليم والعالم، وهذه ميزة تاريخية لها فعلها وتأثيرها الكبير في مجمل الصراع العالمي .

حين أختطفوا مادوروا وأظهروا صوره مكبلا بالسلاسل، دخل الرعب والهلع إلى قلوب الكثيرين وتراخت همة الوطنيين في بقاع مختلفة من العالم، ولكن حين صمدت ايران ومازالت تقاوم وتوجه الضربات للأمريكان والكيان الصهيوني وأتباعهم الأذلاء وكذلك ضربات محسوبة للسوق العالمية المأزومة أصلا، كل هذا أربكت الامبرياليين وأدخلت الرعب في الأسواق، وبالمقابل رفعت من الهمم ومن شجاعة الملايين في كل بقاع الأرض .

وإذا استمرت هذه المقاومة رغم التدمير الممنهج لقسم هام من الاقتصاد والبنية التحتية والمراكز البحثية والصنعية والعسكرية في ايران, فأنها سوف تخلق كمونا ثوريا ايجابيا في العالم كله وسيكون له تداعياته الطويلة .. نابليون حين اتجه نحو غزو روسيا وفي آخر معاركه الكبيرة معركة ( بورودينو ) انتصر، ولكن الروس أنهكوه في تلك المعركة وكانت بداية الهزيمة لنابليون ولم يصمد 6 أشهر حتى جرى إخراجه من كافة الأراضي الروسية .

ايران حين تقدم نفسها نموذجا مستقلا عن هيمنة القوى الامبريالية وتتمسك بهذا النموذج التنموي الخاص بها وتدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع أعتى القوى العالمية وأشرسها ولا تقبل المساومة الذليلة رغم فارق الامكانيات, هذا ما يربطني بها, وأدعمها سياسيا , أما إذا غداً اختلفت الأمور وأعادت ايران تموضعها في الصراع , وهذا ما لا أتمناه، حينها سيكون لي موقف مختلف، هذه هي السياسة، الالتقاء والافتراق على أساس الخط السياسي والتموضع في الصراع .

اترك تعليقاً

Scroll to Top