خورشيد أحمد
.
تتصاعدُ هذه الأيام أعمالُ العنفِ والإرهابِ المنظّمِ ، وتتسعُ دوائرهُ لتشملَ مدينةَ حلب ، وبالتحديدِ ثلاثة أحياءٍ منها على خلفيّتها الكرديّةِ وهي : الشيخ مقصود – الأشرفيّة – بني زيد وهي من الأحياءِ العريقةِ في حلب وتقطنها غالبيّةٌ مطلقةٌ من الكردِ السوريين .
وإذا كانت هذه الأحياء قد شملتها إتفاقيّةُ نيسان بين قسد وحكومة الجولاني ، خرجت بموجبها القوّاتُ العسكريّةُ التابعة لقسد من هذه الأحياء ، وتمّ الإتفاقُ بين الطرفين على إبقاءِ قوات الأمن ( الأساييش ) للمحافظةِ على أمنِ هذه الأحياء ، فما الذي إستجدّ لتقومَ وزارةُ دفاعِ الجولاني وفصائلها الإرهابيّةِ المنفلتةِ لشنّ هذا الهجومِ ، وبالأسلحة الثقيلةِ مستهدفةً المدنيينَ في الأحياءِ الثلاثةِ ؟!
يعلمُ الجميعُ أنّ تفاهمات إذا لم نقل اتفاقيّاتُ ذلٍّ قد جرت علناً ، وليسَ من تحتِ الطاولةِ بينَ حكومةِ الجولاني وإسرائيل ، تمثّلتْ بلقاءِ الإرهابيّ القاتل أسعد الشيباني بوفدٍ إسرائيليّ في باريس برعايةٍ أمريكيّةٍ ، شارك فيه أعضاءٌ من الموساد الإسرائيلي ، جرى فيه التنازل لإسرائيل عن أراضٍ في الجولان والجنوبِ السوريّ ، متناسينَ أنّ هذه الأراضي ليست مزارعَ تعود ملكيتها للشيباني ولا لسيّدهِ الإرهابي الجولاني ، ولا لمن خلّفهم .
وإنّما هي أراضٍ سوريّة مملوكة حقوقيّاً للشعبِ السوريّ وحدهُ ، ولا يحقُّ لكائنٍ مهما علا شأنه وأيّاً كانت صفتهُ ، أن يفرّطَ بذرّةٍ منها .
ومتناسينَ أيضاً أنّ هذهِ الإتّفاقيّات لاقيمةَ ولا أثرَ قانونيّ لها على الإطلاقِ ، من وجهة النظرِ الحقوقيّةِ ، ولا في العلاقاتِ بينَ الدول .
وكانَ على حكومةِ الجولاني أن تغطّيَ على فعلتها الشنيعة الطافحةِ بقذارةِ الخيانةِ ، بافتعالِ أمرٍ ما يحسبونهُ – وهماً – أنّهُ فعلٌ وطنيٌّ يمكنُ بهِ إلهاءَ السوريينَ ، وغضِّ أبصارهم عن إتفاقيّاتِ الذلّ التي أبرموها مع إسرائيل ، بعدَ أنْ سقطتْ آخرُ أوراقِ التوتِ عن عوراتهم القبيحةِ ، فكانَ هذا الهجومُ الهمجيّ على المدنيينَ الكرد في هذه الأحياء ، وبتفاهمٍ رباعيّ بينَ أمريكا وإسرائيل وتركيا وحكومة الجولاني .
هذا الهجوم يعكسُ الطبيعةَ الإرهابيّةَ للفصائلِ التابعةِ لتركيا ، والمنضويةِ تحتَ مظلّةِ وزارةِ دفاعِ الجولاني ، في مسؤوليّةٍ جنائيّةٍ لا تترتّبُ على أحدٍ سوى الجولاني بوصفهِ قائداً عاماً للجيش كما أسمى نفسهُ .
ويعكسُ أيضاً الذهنيّةَ الطائفيّةَ والعنصريّة التي تُسيّرُ الجولاني وحكومتهِ ، فبعدَ سنةٍ من تربّعهِ على كرسيّ الرئاسةِ ماذا كانَ الحصاد ؟!
تغييبُ الحياةِ السياسيّةِ في سوريا من خلالِ قرارِ حلِّ الأحزابِ ، والإعلانِ الدستوريّ الذي خلا تماماً من أيّ إشارةٍ إلى كلمةِ الديمقراطيّةِ التي تُعتبرُ هرطقةً ومصطلحاً مستورداً لا ينسجمُ مع فهمهم الإرهابيّ الظلاميّ ، القائم على وحدةِ اللون . ونبذِ الإختلافِ ، ودونَ أن يتضمّن إشارةً الى حقوقِ المكونات السوريّةِ ، ومؤتمرٍ سمّيَ وطنيّاً في ظلّ غيابِ ممثلي كلّ الأحزابِ السياسيّةِ والمكوناتِ السوريّةِ ، والإقتصارِ على لونٍ واحدٍ من جماعةِ ” تحرير الشام ” وملحقاتهِ من الفصائل الإرهابيّةِ ، والموضوعةِ على لوائحِ الإرهابِ ، وفي الجانبِ الإقتصاديّ والإجتماعيّ جرى فصلُ مئاتِ الآلافِ من العاملينَ ورميهم على قارعةِ الفاقةِ والعوزِ والحرمانِ – وأيضاً على أساسٍ طائفيّ – من أبسطِ مقوّماتِ العيشِ ، وخصخصةِ وبيعِ مؤسساتِ القطاعِ العام ( قطاع الدولة ) ، معَ تفخيخٍ للحالةِ الوطنيّةِ الجامعةِ من خلالِ السماحِ لشيوخٍ على شاكلتهم بالإفتاءِ لشرعيّةِ قتلِ المخالفينَ لهذا اللونِ دينيّاً ومذهبيّاً وقوميّاً ، وإعلانُ النفيرِ العامِ على المخالفين من خلالِ الجوامعِ والقنواتِ الرسميّةِ ، وطلبُ الفزعاتِ العشائريّةِ كما حدثَ في مجازرِ الساحلِ والسويداءِ ، من أبناءِ شعبنا العلويينَ والدروز .
واليوم تدورُ دائرةُ الإرهابِ لترتكبَ المجازرَ بحقّ أبناءِ شعبنا الكرديّ في هذه الأحياءِ ، بل استهداف حلب كمدينةٍ بكاملها .
مجازرٌ اِرتقتْ في مفاعيلها وآثارها التدميريةِ على البشرِ والحجرِ إلى مستوى الإبادةِ الجماعيّةِ .
كلّ ذلك في ظلّ صمتٍ دوليّ مريبٍ ، من قبلِ الدولِ المتشدّقةِ بحقوقِ الإنسان ، الذي أثبتَ خواءَ خوارهِ المديدِ عن حقّ الشعوب ، ويسري ذلك على المنظماتِ الدوليّةِ كالأمم المتحدةِ ومجلسُ أمنها .
ولو قُيّضَ للشاعرِ الراحلِ مظفر النواب أن يقومَ من قبرهِ ويشهدَ هذا النفاقَ لكانَ حال لسانهِ يقول : قدمي في مجلسِ الأمنِ .
إنّ الدورَ المسندَ إلى الإرهابيّ الجولاني هو تفتيت سوريا ، وإيصالُ شعبها إلى حالةٍ من التذرّرِ لا قائمةَ له منها لمئاتِ السنين ، وذلكَ بمباركةٍ أمريكيّةٍ – إسرئيليّةٍ – تركيّةٍ لتنفيذِ أجنداتها على الأرضِ السوريّةِ ، بالرغمِ من كلّ النباحِ والجعجعةِ المتخمةِ بهالاتِ الحرصِ على وحدةِ الأرضِ السوريةِ والمواطنةِ المتساويةِ .
إنّ إرهابيّاً وجدَ نفسهُ بينَ ليلةٍ وضحاها وعبر توافقاتٍ إقليميّةٍ ودوليةٍ في قلبِ دمشق أعلنَ نفسه وبإرادته الفرديّة رئيساً لسوريا ، وقائداً عاماً للجيش ، والمشرف على تشكيلِ الحكومةِ ، والوزراء ، له حقّ تعيينِ أعضاءِ مجلسِ الأمنِ القومي ، والمحكمةِ الدستوريّةِ ، وله سلطة تشريعيّة استثنائيّة ، وهو من يعيّنُ رئيسَ مجلس الوزراء والوزراء ، وتعيينَ القضاة ، والمؤسسات العليا التي لها دورٌ في دستوريّةِ القوانين ، وله صلاحية اصدار المراسيم التشريعيّة التي لها قوّة القانون ، رغمَ وجودِ مجلسٍ تشريعيّ مؤقت لكنه صوري وهو من يساهم في تعيين ثلث أعضائه ، ويمتلك صلاحيّةَ إعلانِ الطوارئ ، وحلّ مجلسِ الشعبِ ، وبإختصارٍ فإنّهُ جمعَ كلّ الصلاحياتِ الهامّةِ في قبضتهِ الإرهابيّةِ ، لتعيشَ سوريا في ظلّ نظامٍ أوتوقراطيّ إستبداديّ وحيدَ اللونِ .
لونٌ أسودٌ ينبغي أن يُرخى على كاملِ الشعبِ السوريّ .
والسؤال : رجلٌ مارسَ الإرهابَ طويلاً ليسَ في سوريا فقط ، وكانَ مطلوباً لإرتكابهِ جرائمَ ضدَّ الإنسانية ، وإرتكبَ أفظعَ المجازرِ في الساحل ثمّ في السويداء ، وحاليّاً بحقّ المدنيينَ الكرد في حلب . ومارست أبواقهُ التكفيرية الإفتاءَ بسفكِ دماءِ كلّ من لا يظلّلهُ اللون الأسود ، ويقيسُ بمساطرهِ الطائفيّةِ أحقيّةَ ممّن يستحقُ الحياةَ من أبناءِ الشعبِ السوريّ ، دونَ أن يرفّ له جفنٌ ، وبذلكَ بلغَ مستوى الشحنِ الطائفي في سوريا مناسيبَ قياسيّةً .
رجلٌ يحملُ هذهِ الأيديولوجيا المؤسّسةِ على الإرهابِ والتكفيرِ والظلام وإن أسمعَ الآخرينَ بينَ فينةٍ وأخرى مقولاتٍ من معسولِ الكلامِ ومن قبيلِ : المجتمع السوري واحد ، والجميعُ متساوون أمامَ القانون ، وأنّ العدالةَ الإنتقاليّة ستأخذُ مجراها وغيرُ ذلكَ من التخرّصاتِ والأكاذيبِ ، ماهي إلا لذرّ الرمادِ في العيونِ ، ذلك أنّ الممارسةَ والممارسةُ وحدها هي معيارُ الحقيقة .
والمؤسفُ أنّ ثمّةَ من يراهنُ على تغييرِ الأفعى لجلدها ، متناسينَ إحتفاظها بزعافِ سمّها ، التي سرعانَ ما تنقلبُ الى موتٍ زؤامٍ بحقِّ أبناءِ الشعبِ السوريّ .
وقد قالها الشاعرُ قبلاً :
إنّ الأفاعي وإن لانتْ مَلامِسُها … عندَ التقلّبِ في أنيابها العطبُ .
أمامَ جملةِ هذهِ الوقائع ليسَ للسوريينَ سوى التكاتفَ ، ووحدةَ القوى الوطنيّة في صفٍّ مناهضٍ لهذا النظامِ الإرهابيّ ، الذي سيقودُ سوريا إلى التشظّي والإنشطار .
فالمهمّةُ الماثلةُ أمامَ الجميع هي وحدةُ الصفِّ الوطنيّ في وجهِ نظامِ العمالةِ والخيانةِ ، وبناءِ أوسعِ تحالفٍ بينَ القوى الوطنيّةِ السوريّةِ من أجلِ إسقاطِ وتكنيسِ هذه السلطةِ ، وتشكيلِ حكومةٍ وطنيّةٍ هاجسها الأوّل والأخير العملُ على استعادةِ استقلالِ سوريا ، وسيادتها والحفاظِ على وحدةِ أراضيها .
نعم من يعقدُ صفقاتَ الذلِّ معَ العدوّ الإسرائيليّ ، ويتنازلَ عن أرضِ الوطنِ هو خائنٌ بكلّ معاييرِ الخيانةِ ، وأنّ محاولةَ تغطيةِ الخيانةِ بدماءِ أبناءِ شعبنا السوريّ العظيم هي جريمةٌ موصوفةٌ ، ومكتملة الأركان .
وسوريا خلالَ تاريخها الحديثِ والمعاصرِ عانتْ من العديدِ من الدكتاتوريات ، لكنّها بفضلِ إرادةِ شعبها وتقاليده النضالية والوطنيّةِ ، استطاعت أن تلفظها جميعاً ، وتكنيسها ، ورَمْيَها في أقربِ حاويةٍ للقاذوراتِ .
وهذا ما سيحصلُ للدكتاتوريّةِ الجديدةِ في سوريا ، مهما بلغ منسوبُ نفاق الدولِ الغربيّة ، التي تتشدّقُ بحقوقِ الإنسانِ وتمسّدُ لحيةَ ربيبها الإرهابيّ ، ومهما أغدقت أمريكا على عميلها من النِعَمِ . فلن تستطيعَ هالاتُ العطرِ التي رشّها ترامب على الجولاني في البيت الأبيض أن تغسلهُ من أدرانهِ وقذارتهِ ورائحتهِ النتنةِ .
حقّاً إنّهُ زمنٌ أقلّ ما يمكنُ أن يُقالَ فيهِ :
أنّهُ زمنٌ داعرٌ
