الأستاذة الثريا رمضان .. إعلامية وأديبة من تونس
.
نحن، نساء هذه الأوطان، نعلّق رؤوسنا على مشجب الوقت في انتظار استعادة وجوهنا الباسمة، وشيء من الأمل، بعد سنوات التمرّد على الحكومات، وطرد الحكّام، وإعادة صياغة القوانين، ووضع فلان وعلاّن على كرسيّ الرئاسة، وتقاتل فلان وعلاّن على الفوز بالانتخابات التشريعيّة، وانتخاب برلمان وحلّ آخر، وهبوب رياح التغيير والتطوير والتأخير والقتل والإحياء والجرح والمداواة، والتكفير والتديّن الخ…
نحن نساء هذه الأوطان، مازلنا نلبس أفكارا نحاور بها القادمين والراحلين، والراحلين والقادمين، لنثبّت أقدامنا في الطين بدل أن يصنعوا منّا عرائس للطين.
تقول عجوز في حيّنا: لولا ابني لبقيتْ بنتُ مُفيدَهْ عانسا. تقول جارتها: لولا حفيدي لبقيت بنت مْبارْكَهْ تبكي رائحة رحمها الهَرِم.
حين كنّا صغارا، كانت جدّتي تقول: اللّحْمَةُ الكبيرة لجَدِّكم يا بنات.
وتقول امرأة عبرت الطّريق ذات “ربيع” شتويّ من سنة 2010: أنا مستعدّة للتّضحية بعددي الرُّتْبي عند الرجل، المهم أن يتزوّجني، “ظلّ راجل ولا ظلّ حيطة”.
من الذي نحت عرائس الطين وتركها في الريح لتجفّفها؟ هل كان النّحّات في الأصل مجرّد أنثى؟ أم امرأة كاملة العقل؟
كُثْرٌ هُنّ الإناث على هذه الأرض، بعدد شعر الرأس، وقلّة صرن النّساء، أولئك اللواتي لا يخشيْن من مرور طيف رجل، ولا هبوب نسمة على فساتينهنّ، ولا سقوطِهنّ وحيدات في العراء.
كُثْرٌ هنّ الإناث اللواتي يمتهنّ الجُبن والخوف والتسليم بأنّ المجتمع ذكوري، لا محالة، وأنّهنّ عورات يجب إخفاؤها كي لا تثير الفتنة والخراب بين أفراد “القبيلة”، فكعْب قدمها قد يحدث انفجارا نوويّا وكارثة بشرية ستسبّب الضرر لاقتصاد البلاد ومواردها “البشرية”.
جدّتي كانت بيْنَ بيْن، كانت الأنثى والمرأة، تلك الأنثى الوَلود الهادئة، المستكينة لأوامر المجتمع وتمكينه للرجل في كل قوانينه، والمرأة الحديدية التي تُوقع أوامرها حتى على جدّي داخل أسوار ذلك البيت الكبير.
كانت جدّتي تمثّل الشعب والحكومة في آن، ذلك الشعب الذي يخضع للكلمة الأخيرة للديكتاتور دون جِدال، وتلك الحكومة التي تتلاعب بقوانين الدولة لصالح أعضائها كي يخرجوا طاهري الأيدي بريئين من كل دنس “سياسي”.
مازلنا نحن النساء نعلّق رؤوسنا على المشجب، لأن جدّتي سجنت الحلم في غيمة عاقر، لم تمطر منذ قرون. وسنواتنا الثمان التي عقبت ما سمّي بالثورات العربية تنذر بالعقم الكامل في رحم الغيمة، إذا بقيت تسمع لكلام جدّتي يوم قالت لي: عٍيبْ اِحْشِمْ، الطُفْلَهْ المُتْرُبْيَهْ ما تْهِزِّشِ راسْها قُدّام الراجل.
أرفع رأسي للسّماء، أبحثُ ونساءُ بلادي عن رحمِ الغيمة، لعلّنا نستطيع أن نجعله خصبا ببعض ممّا تبقّى من بويضات “أفكار”.
أفكار رمتها عليسة من قبل على أرض إفريقية لتبني مجد قرطاج وقلاعها الحصينة، وبلقيس لتبني مجد سبأ وقصورها وجيشها، وغيرهنّ من رحم هذه الأوطان وُلِدْنَ، لِيُنْجِبنَ مثلا، جدّتي… وأنا.
تقول خالتي شاذْلِيّهْ: ابني البكر صار رجلا، علّق نصف بنات الحيّ به ومازلن يركضن وراءه حتى اليوم، “على شْكُونْ يَرْضَى”.
يقول عمّ فرج: لولا زوجتي شاذلية لكان لابني الآن عائلة جميلة، لكن، الله يهديها، كبّرتلو راسو، وصغّرتلو مخّو.
من الذي نحت عرائس الطين إذا وتركها للريح لتجفّفها؟ هل كان النحّات في الأصل امرأة؟ أم رجلا؟
– جدّي، نْحِبْ عنقود عنب من الكرمة إلّي في الجْنينه.
– ستقتلني جدّتك لو لمست حبّة واحدة، خلّينا لابَاس مع الحكومة.
جدّي، الجندي المتقاعد، الذي شارك في الحرب العالمية الثانية، كان يذكّرني بالشعب الذي يخاف أن يطالب بحقّه من الحكومة، رغم أنّه يصرف عليها من جيبه/الضرائب.
في هذه البلاد، مازلنا نحن النساء، الباحثات عن وطن هادئ، وحقوق كاملة في العرف المجتمعي، مازلنا نعلّق رؤوسنا على مشجب مائل، لا يوازن بين الحق والباطل. فإن كنت أكتب الآن بمزاج عال دون خوف من يد ستكممّ فمي/فم امرأة، لكنّني أخرج من بيتي في كلّ مرّة، خائفة من مواجهة مشهد قد يؤذي عقلي وأفكاري، كمشهد طفلة لم تتمّ سنواتها الأربع يغطّون شعرها بخمار، ويخفون جسدها الصغير داخل جلباب يمسح عن الأرض الأتربة والقاذورات لتلتصق بذيل الجلباب. بدل أن تكون الفتاة نفسها تركض بفستانها الأحمر وجدائلها المربوطة بشرائط من الساتان كأيّ طفلة في هذا العالم “الإنساني”.
أو كمشهد فتاة تلقي بكل الكلمات البذيئة والقبيحة على مارّ لمس كتفها عن غير قصد.
أو كمشهد المرأة التي تجلس منذ الصباح أمام “دجّاج” الحي وبجانبها طفلة صغيرة مازالت تحبو، لتتسوّل بها، لعلّ الله يفكّ لها كربا!! أو يجعل لهذه الطفلة المتشرّدة مخرجا من هذا السيناريو اليومي الكئيب.
نحن النساء، في هذا الوطن الممتدّ، نعرف ما لنا من حقوق وما علينا من واجبات، لكننا ننتظر غيمة جدّتي العاقر، لعلّ معجزة تحصل فتنزل الغيث النافع.
أحاول أن أفتح مع إحدى الفتيات الشابات نقاشا عن الوضع الحالي للبلد، وهي تبحث ببصرها عن آخر الرجال الذين مرّوا بجانبنا. وهاتفها في كل مرة يعطي إشارة لوصول رسالة فيسبوكية.
أتركها وأمرّ للحديث مع بائع الثياب البالية، يحدّثني عن الكراسي التي جلس عليها الغرباء بضربة حظ
جدّتي كانت تمنع تغيير القناة على السّاعة الثامنة مساء، فهو موعد الأخبار، الموعد المقدّس.
– ماذا يمنع أن أشاهد المسلسل على قناة أخرى؟
– سيهربون ويتركوننا.
– من؟
– لا أدري، المهم أن أعرف ما يحصل بالبلد.
بين قوسين، جدّتي أمّية، ولكنّني اكتشفت أنّها أعلم منّي ومن ابنتيّ ومن جيلينا كثيرا، رغم أنّنا اليوم بكبسة زرّ واحدة نستطيع معرفة كل ما يحصل حول العالم خلال الثواني القادمات والثواني الماضيات.
لعلّنا لم نيأس بعد من سنوات من الخراب، ورمينا الذنب كله على حضارات عمرها آلاف السنين. وبقينا نلوك فكرة “الحرية” في زمن صارت فيه الكلمة مشوّهة، تماما كساسة أوطاننا.
الحرية، كلمة فضفاضة كالثوب الذي تلبسه الكثير من النساء اليوم ليخفين عيوبهن الجسدية. يستطعن إخفاء ما يشأن تحته، والتلاعب بعين المبصر فلا يرى إلا بشرا نبيلا عفيفا يمرّ بجانبه. كذلك الحرية، تستطيع أن تخفي وراءها .
