الحرب على ايران وحسابات التخلي عن قسد

د. عمرو حديفة

من غير اليسير على المتابع العادي، مع سيل المعلومات المغالِطة والمشوَّهة والكاذبة، أن يصل إلى حقيقة تفسير ما جرى ويجري بالضبط في شمال شرق سوريا، فهذا يحتاج إلى ضباط مخابرات في الدول التي تصنع المشهد، لا التي تؤدي الوظيفة فقط. ناهيكم عن المتابع العادي الذي تنهش الضباع من لحمه الحي، فهو ليس مشاهدًا من بعيد، بل في قلب الحدث كما يقال، أو بالأحرى في بطن الحوت.

ولكن سأحاول في هذه السطور لملمة شظايا المشهد لنركّبها ونحاول فهم سياقها.

سأبدأ بالمنهجية العلمية للتحليل، أي من العام إلى الخاص، أي من الأحداث العامة في الإقليم إلى الحدث السوري الأهم مؤخرًا:

١- تعرفون أن الولايات المتحدة تستعد اليوم أكثر من أي وقت مضى لشن هجوم عسكري على إيران، فحشدت الأساطيل والصواريخ وطائرات التزويد بالوقود، وأفرغت قواعدها المنتشرة في المنطقة كالسرطان من كل موظفيها غير العسكريين، والجيش الإسرائيلي قد أنهى بروتوكولات الاستعداد الأقصى لدخول الحرب. ولكن قبل هذا كان هناك محاولة لزعزعة الوضع الداخلي في إيران، مستثمرين في انهيار الوضع الاقتصادي (جراء الحصار أولًا)، وفي الفساد المستشري، وفي القمع الممنهج للكثير من الحريات الشخصية في الدولة الإيرانية.

طبعًا الدوائر الغربية لا يهمها لا حريات ولا من يحزنون، ولكن حجج لاستخدام إرهاب الدولة المنظم من قبلهم، من خلال أساطيلهم وجبروتهم المالي والتكنولوجي.

طبعًا قادة الاحتجاجات مرتبطون عضويًا بهذه الدوائر للأسف، ويبدو أنهم فشلوا في هذه الجولة، ويتم اليوم تصفيتهم في إيران، أي أن إيران أخمدت هذه الاحتجاجات من جديد بالقوة وليس بالإصلاح، وهذا كمن يأخذ حبة مسكن للعلاج من مرض السرطان (بمعنى أن هذا الإجراء منفردًا لن يزيد إلا من عمق الهزة الاجتماعية التالية).

وعند فشل الوكيل لم يعد أمام الأصيل إلا التدخل، وهذا ما تتجمع الجيوش من أجله اليوم. قد تكون الضربة أثناء كتابة هذه السطور أو في نهاية الأسبوع القادم، كي تكون في فترة إغلاقات البورصات الأمريكية، كي لا تتأثر أسواق الأسهم بالهزة الأولى للضربة.

٢- استشعرت تركيا الخطر عندما قامت أكبر الاحتجاجات في المحافظات الشمالية الغربية من إيران، وخصوصًا محافظة كردستان، حيث قرأت المشهد أن إذا سقطت إيران فإن كردستان إيران وكردستان العراق وإقليم شرق الفرات تكون قد استقلت بحكم الواقع، فلا يبقى الدور إلا على تقسيم تركيا. لذلك قامت، كما رشح من معلومات، باختطاف الجولاني في آخر يوم من عام ٢٠٢٥، الذي لم يكن راغبًا في خوض معركة، فما يهمه هو وجوده في القصر والكميات الهائلة من أموال الشعب السوري التي ينهبها هو وأفراد عائلته أولًا، ومن بعده موظفوه في الدرجات الأدنى. إلا أن تركيا بهذه الخطوة جعلت المشهد يبدو: إما أن تعلن وفاة الجولاني وما سيترتب على ذلك من خلط للأوراق قبيل معركة إيران، أو تبدأ عملية على قسد تفاديًا للخطر التي استشعرت به. فورًا تم تنسيق لقاء باريس، وهو اجتماع خارج السياق، والتوقيع لإسرائيل على التنازل عن الجولان والنفوذ في الجنوب السوري، مقابل السماح للقوات المدعومة تركيًا بالهجوم على شرق الفرات، مبتدئةً بأحياء الفقراء في حلب (الشيخ مقصود والأشرفية).

٣- في هذه الحسابات الأمريكي لن يتخلى عن تركيا، حليفه السام في المنطقة وفي العديد من الملفات الدولية، مقابل قسد طبعًا، وقد ضمن عقود استثمار وبيع النفط السوري من خلال رفع العقوبات عن سوريا لتمرير هذه العقود، وقرر أن تكون مع حكومة معترف بها أفضل من قسد التي ليس لها أي صفة عامة على مستوى سوريا. طبعًا هذا النفط سيذهب لشركات الواجهة التي يملكها بالأصل أبناء ترامب وأبناء أردوغان، بسمسرة من المندوب السامي في سوريا توم باراك، الذي لا يزال يشغل منصب سفير بلاده في تركيا، وبالتعاون طبعًا مع رموز الفساد والكومبرادور في النظام السابق: حمشو وخياط وفوز، إلخ.

٤- تركت أمريكا، كالعادة، من استخدمتهم في حربها لمصيرهم إن وجدت عميلًا يستطيع تقديم ما هو أكثر مما تقدمه قيادة تنظيم قسد للأمريكي، ولكن مشروع التقسيم بالأساس هو مشروع إسرائيلي أكثر منه أمريكي. فالأمريكي قاطع طريق دولي يهمه استقرار مناطق سرقته حتى آخر قطرة، ثم يتركها للخراب، أما إسرائيل فلديها مشروع أكبر من سرقة آنية، بل سيطرة استراتيجية، لذلك منعت قوات قسد ومنعت الجولاني خلال كل الفترة السابقة من التفاهم حتى يصطدم الجمعان، وهي تعرف طبعًا من جلبت للسلطة وكيف سيتعاملون بلغة المجازر، وبهذا ستبقى هي المخرج الوحيد للجماعة محل المجزرة تحت وطأة السكين، أو الطلب من إسرائيل التدخل لحمايتها. أي تكرار مشهد السويداء وتعويم نصر وهمي للجولاني سيدفع ثمنه من تبقى من سوريين والمخدوعين به من جيوبهم ومن خبز أطفالهم في المستقبل.

٥- طبعًا منذ السقوط في سوريا لم تكن الدوائر الغربية لتسمح لتركيا بأن تستأثر بالكعكة السورية، وهذا ما حدث ويحدث. فحتى لو أن نفوذ منظمة مثل قسد والتي كانت قوية و كانت مدعومة أمريكيًا قد تقلص، وحتى لو أن ممر داود يبدو أنه تم تأجيله مبدئيًا، أي أن سوريا تبدو أقرب إلى الوحدة وإفشال ممر داود ظاهريًا، إلا أن هذه الوحدة هشة. قوات السلطة فيها في كثير من المناطق سيكون حالها كحال قوة الاحتلال، والرافض لها سيكون في جزر معزولة له شريان واحد مرتبط بإسرائيل، وتخلف وفقر وظلامية مدقعة في باقي المناطق.

واليوم ستقوم إسرائيل بالضغط، من خلال نفوذها، على كل الأطراف للتوقف عند هذا الحد في الحرب شمال شرق سوريا، وبذلك تكون قد قلصت المشكلة لتركيا دون أن تنهيها، وستحتفظ فيها كأصل استراتيجي لضربة قادمة لتركيا.

كنت قد كتبت مقالًا منذ أكثر من ١٠ سنوات بعنوان القيادة الكردية ومتاريس الملح، ذكرت فيه أن هذا الخطأ بالاحتماء بالأمريكي هو متراس ملح سيذوب عندما تتغير اتجاهات عواصف المصالح الإمبريالية، وهذا ما حدث مع أهلي الأكراد في الشمال للأسف، بجريرة قيادة قسد.

وعندما بدأت هذه التراجيدية في سوريا لم يستحضرني غير قصة الرجل الذي آوى الضبع التي تُدعى (أم عامر) من الصيادين، فأطعمها وحماها وأسقاها، وعند الليل بقرت بطنه وأكلت أحشاءه، وهذا هو حال الحرب التي خاضتها قسد نيابة عن الأمريكيين ضد عدو مفترض لأمريكا (داعش)، وقيل في هذه القصة البيت الشهير:

ومن يصنع المعروف في غير أهله

يلاقي الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامرِ

والأسئلة الكبيرة والأخيرة هنا: ماذا لو صمدت إيران وألحقت بهم هزيمة؟ وماذا لو سقطت إيران وانفجرت موجة لجوء إيرانية هائلة إلى أوروبا؟ وماذا لو انفجرت أزمة طاقة عالمية في العالم؟ هل هي حرب أمريكا الأخيرة؟ وما مصير عملائها في منطقتنا؟

وكيف تنظر الصين لكل ذلك؟

لننتظر ونرى.

 

اترك تعليقاً

Scroll to Top